ابراهيم محمود
معارضة وزير الخارجية الألماني شتاينمر لاستقلال كُردستان في العراق، خلال زيارته الأخيرة إليه، تحتاج إلى ضبطها ووضعها في سياق الزمان والمكان، وخصوصاً أن ما تفوه به الوزير الألماني قد تناقلته فضائيات عربية مختلفة وغيرها، بمثابة مانشيتات، كما لو أن هذا الموقف جاء متجاوباً مع ما كانت تنتظره قبل ذلك .
لعله المنطق الذي يحفّزنا على القول بأن الوزير الألماني الذي قدّم مساعدة للإقليم، وأدلى بتصريح صحفي عن تحفظه إزاء استقلال الإقليم، له صلة مباشرة بجملة من التوازنات المحلية والإقليمية والعالمية، وهو تحفظ لا يهمَل في هذا النطاق، كما لو أنه كان يقول: لم يحن وقت استقلال الإقليم في ضوء التوترات الكثيرة والمهددة له وللعراق وحتى للمنطقة عموماً، وليس لأنه قدِم إلى العراق ومن ثم الإقليم ليقول قولته هذه نوعاً من الإنذار ويمضي، وكأني به: يهدّد بشكل مبطن من يفكر بمجرد الإستقلال، وبأي شكل ؟
بالتوازي مع هذا القول، يحتاج المتابع مع قليل من المرونة ليفكر في عبارة الألماني، وأي عبارة مرادفة لها، من خلال وضع القضية الكردية، وتحديداً ما يتعلق بكردستان عموماً وهي في تجزئتها، وانعكاس أي تصرف غير مسبوق على الأطراف الأخرى.
إنما المؤثر هنا هو ما يدخل القول في مضمار ( كلمة حق يُراد باطل )، بالنسبة للذين لا بد أنهم عبَّروا عن فرحتهم بسماعه في المحيط العربي خصوصاً، حيث العراق يُنتسب إليه بعرف القومويين العرب مباشرة، كون هؤلاء صدموا بهذه ” الهبَات ” من المساعدات وحالات التأييد للكرد وحربهم ضد ” داعش : حصان طروادة العروبيين بجلاء في العراق “، من قبل دول نافذة في صنع القرار عالمياً، لأن الذي جرى مثَّل استثناء في التاريخ إزاء الكرد حتى الآن، وبالتالي، فإنهم تلقفوا هذا الخبر سريعاً ليكرروه بصيغ مختلفة تعبيراً عما كانوا ينتظرونه، وهو تمني سماع المختلف .
التأكيد المختزل والموجَّه على كلام المسئول الألماني سمّى حقاً له وزنه، أي باعتباره الكلام المفوَّه ألمانياً، ولكن استخدامه تم في سياق لا صلة له البتة بما كان الألماني يريد التشديد عليه. إنها النية ” العاطلة ” بالنسبة للذين تحصنوا وراءه، ولكنها نية لها تاريخها التليد المديد، ولها شخوصها التاريخيون، ولها مبرمجوها، والناشطون باسمها، والملحون عليها ، نيّة لها علاقة بالكرد هنا، باعتبارهم الناس الذين لا يجوز لهم أن يكونوا أناساً كغيرهم، أن يشار إليهم باعتبارهم شعباً وثقافة وقومية.
إنه التقويل تحديداً. ولعلنا إن اعتمدنا آلية التفكير والتدبير ذاتها، لأمكننا بناء ما لا حصر له من الرؤى والتصورات وحتى تركيب النتائج تلك التي تستجيب لرغباتنا النفسية ودعاوينا العاطفية أو محفّزاتنا الإيديولوجية، بحيث لا يعود من ربط، أي ربط بين الكلام المسمى وما يأتي ترتيباً عليه، وكل ذلك ينصب في منحى التعصبيات القوموية والثقافوية الضيقة تماماً .
هذا يطرح سؤالاً على أتم الصلات بطريقة التفكير لدى هؤلاء الإعلاميين العرب ومواقعهم السياسية ، ممن ينتهجون أساليب تعبيرية تتجاهل دقة التوصيف، وإخراج القول من سياقه الزماني- المكاني، استناداً إلى مصالح شعبوية وسلطوية ضيقة تبقي التاريخ نفسه أكثر من كونه أحادي البعد، وتعتّم على الحقيقة، وتغذّي شعوبها ضمن خانتها التعبوية حصراً.






