د. محمود عباس
كتاب أو مثقفون، يملكون الكلمة، ويسخرون القلم لخدمة أفكار هنا وهناك، ولكنها شلليه، ينقبون في المناطق الأكثر أمانا للذات، ويتحركون بحرص في الأجواء الأفضل راحة، وهم أسرع أقلام القضية هجرة إلى الأماكن الآمنة والمطمئنة، حتى لو كتبوا عن فتات القضايا الجزئية المتناثرة يومياً. يهجرون الوطن والقضية الرئيسة فكراً وقلماً، وهجرتهم أسوأ من الهجرة المادية، ومضارها اشمل. يتركون الأساسيات من القضايا المفروض شرحها وتوضيحها أمام الجماهير بكل أبعادها. وعليه يجب ألا تأخذهم رهبة السلطة فيما إذا كانوا يعدون ذاتهم أصحاب رؤية، لكنهم، في الواقع، يتناسون عن دراية الدريئة الصائبة، ويوجهون أنظار الناس إلى قضايا ثانوية، ويتسترون عليها بحجة معاناة الأمة، التي تشمل الكل دون استثناء. إرغام الذات على نقد قضايا هامشية وطرح مواضيع ثانوية من أجل الإبراز لا ينتج الضد النقي، ولا يبشر بجمالية ثقافية، فأجمل الكتابات هي التي تخرج بفعل المنطق وبعد تمعن في نوعية المصائب المحاطة بالأمة، فالنقد على علاته، وخاصة لأقرب الناس مفهوما ونوعية ثقافية، لا يبرئ الناقد قبل غيره من الانتقائية، ولا يسفر عن ثقافة نوعية، فالعموميات من أسهل الأمور الممكن الكتابة فيها. الجدير بمعظم الأقلام الحاملة للنقد الانتقائي، وتعميمها على كل الأطراف، خاصة تلك التي لا خوف منها، عليها الصوم عن الكتابة لبعض الوقت، ومراجعة ذاتها، والتمعن في منابع الآفات الناخرة لجسد الأمة: الثقافية والسياسية؛ وكتابة عدة مقالات ونشرها، وملئها بالنقد والتهجم، مع استخدام رطانة مقصودة، قد يكسب رأي القراء، لكنها ستخلق نوعا من الثقافة المشوهة، والتي لن تكون أفضل من ثقافة السلطة الحاضرة. فالمثقف الناقد عن صواب هو الذي يتوقف بين فينة وأخرى لمراجعة الذات والكتابات التي يصدرها؛ والمواضيع التي يتلقفها بنقده؛ والشرائح التي يتعرض لها ليستخلص إلى مواضع الضعف والقوة، والخطأ والصواب، والسهو عن المهم.
يحتضن المجتمع الكردي كتابا ومثقفين، قدراتهم وملكاتهم الفكرية تتجاوز جغرافية كردستاننا، لكن الظروف المحاطة أو التي أحاطهم بها السلطة الشمولية أغلقت على طاقاتهم وقدراتهم الثقافية والفكرية كل بدٍ، وجمدت فيهم أبعادا واسعة من المدارك، وبطرق متنوعة، أولها الاقتصادية، حيث ركزت عليها السلطة بخبث ودهاء، فخنقت المنطقة في حصار اقتصادي مميت، وضيقت الخناق على الأقلام النيرة بتخطيط دقيق. ومعظمنا يعلم الأساليب التي استخدمتها السلطة الشمولية للإبقاء على المثقفين الكرد في عوز دائم، والمعاناة المادية إنْ كانت كثيرا ما تدمر الملكات الفكرية، ولكنها تفرز نخبة ترشد الأمة إلى طريق النجاة، ولم ينجُ من هذا الحراك الكردي السياسي أيضا، على مدى عقود من الزمن. وكان من المأمول تبلور مجموعة قادرة على إيجاد المخرج الأكيد. وما يؤسف له، أننا لم ننتج حتى اللحظة ما كان مأمولا.
لا شك، نقد الحراكين في حالة الاستوجاب صحية، لكنه يصبح علة ومرضا مزمنا إذا …
يتبع….
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
Mamokurda@gmail.com






