إبراهيم محمود
«إلى عامل المدْجنة الكردي وصيصانه النافقة بالتأكيد، فهو الملهم هنا»
حدثني البعيد مني جداً، ولكنه لا يخفي قربه، وهكذا الحال معي، أن ما يجري يحفّز واضعي القوانين ومشرّعي الأحكام، والمعنيين بمحاكم الجنايات الدولية وغيرها، وبدعة ” الأمم المتحدة ” وأصحاب النظريات السياسية والمؤرخين ، على لزوم تحرّي ما فرَّخته العولمة بطبعاتها المختلفة، وأختامها، وأعلامها، لأن الجاري سورياً، يعرّي كل وعد للتكنولوجيا المتقدمة بالدخول في جنة موعودة، وعلى أعلى مستوى، كما لو أننا نعيش حرباً كونية، ولو أن ثمة رقعة جغرافية واحدة هي التي تسمى وتدمى هنا، ولكنها ” حرب العوالم ” المصغرة، أفظع من رؤيتها الهوليودية، وخفّة ” توم كروز ، والنهاية التي أرست عليها الفكرة، فما هو هوليودي على أرض ليست هوليودية مسماة، غير ما ينظَر فيه بمقاييس هوليودية مؤمركة أو مأوربة أو مفبركة لصالح سدنة الأوسكار ومن يؤفلم ” فنياً “، ويتأفلم واقعاً في بطولة مريعة، إذ لا يعود في الوسع إحصاء الضحايا من الصيصان، ولا حالات التنكر والعري الفاضح والمتنامي لقطط، في هذا الانفجار الكارثي البشري ” المؤمم ” والمحوَّل حتى اللحظة إلى إشعار آخر وآخر.
حدثت قريبي وسميّ والداخل معي في نطاق تليباثي، أنني رغم كل ادعاءاتي بالفهم النسبي والكتابة الغينتسية ربما، أشعر أنني لا أعدو أن أكون صوصاً يصوصي، ولا أدري أي قط يتربص بي وهو يمومىء متبرماً من صوصأتي هنا وهناك، خصوصاً وأنني أتحدث جمعاً بين كردية لا مناص من ” نفضها ” وسورية لا مجال لفضها، وعالمية لا إمكان لدحضها.
دهوك
*- لجأت اضطراراً إلى اعتماد مفردة ” الصوص ” نظراً لضعفه شبه المطلق، إزاء قط يسيل لعابه لمرآه، أكثر من تسمية الفأر المتمتع ببعض الدهاء والقدرة على المواربة والاختفاء في جُحْر ما، وبالتأكيد فإنه ليس من علاقة بين ما لجأت إليه وما يرد في الذهن مما ورد في قصة قصيرة نسبياً لفرانز كافكا في مجموعته القصصية ” سور الصين “، حول فأر كان يتذمر من وجوده في مدينة كبيرة وموحشة، لينقض عليه قط بغتة وهو يقول له، بينما تنغرز أنيابه في ظهره: كان عليك ألا تسكن هذه المدينة” انتهت القصة “. والمشكلة الكبرى، أنني لا أجد بداً من المكان الذي أنسَب إليه *1.
*1- طبعاً من الصعب الوصف جداً، في هذا الإطار، لما مرت به ” الثورة ” السورية من أطوار، حيث بات يفخَّم من لديه درهم أمان، إزاء من لديه من التصرف والفهلوة أكثر من قنطار، وأن الجاري والهاري يتحديان أكثر من فساد الدهم وحكمة العطار، كل ذي مخيلة بارعة في هذه الأمور من فساد لمفهوم الثورة ومتغيراتها، حتى لو كان الطاهر وطار*2.
*2- يمكن للكردي سليل الكردي طرح السؤال تلو السؤال عن هذا الاسترسال في الكلام الموجع والصادم، ولعل الجواب من مجسد صوص هائم في جغرافية هائمة على وجهها بالمقابل، هو رعب المتحول، والمنتظر أيضاً، وبالنسبة للكردي الذي يتلمظ أحياناً لما هو موعود به، بينما أكثر من خاصية القطط السمان تتربص به، وبالتالي، فإن علينا ألا نستهين بدروس التاريخ وعبره وصدماته الكبرى، وألا يتملكنا فرح كردستاني كما هو المطلوب والمشتهى، ليس من سانحة يُطمأَنُّ إليها بمبررة له *3.






