سعيد فرمان– إن لجوء عدد لا يستهان به من الدول والمجتمعات متعددة الهويات والثقافات للنموذج الديمقراطي التوافقي إنما يتأتى من صعوبة تطبيق النموذج الديمقراطي المستقر الذي لا يمكن أن يُشيد ويًبنى إلا على أساس تجانس إجتماعي واضح وإجماع سياسي متجاوز لمرحلة الهويات الفرعية – العرقية , وهو ما تفتقر إليه شعوب هذه المنطقة وتعاني منه ولهذ تعد مسألة التوافق بين المكونات (قطاعات المجتمع) في سياق عملية ولادة بديل ديمقراطي أولي من أهم شروط ومستلزمات بقاء الكيانات القائمة وديمومتها , لقد أثبت النموذج الديمقراطي التوافقي في العديد من دول ومناطق العالم عن فاعليته في الحكم والإدارة وعن قدر معين من المرونة والسلاسة في طريقة التعامل مع القضايا والأمور التي واجهتها وإعترضت طريقها .
– إن الممارسات الفظة للأنظمة الشمولية وأنظمة اللون الواحد التي حكمت الشرق الأوسط وبإعتمادها على أيديولوجيا عنصرية النزعة والأهداف قد ألحقت الضرر والخراب بالشعوب والقوميات المضطهَدة في هذه المنطقة وعملت على تدمير كل ما يخصها ويميزها , كتدمير هوياتها الثقافية والسياسية (الاثنوسايد (ethnocide – و…….إلخ , ومن هنا تأتي أهمية اللجوء للديمقراطية التوافقية لا كعلاج سحري ناجز , وإنما كحل عملي يستمد روحه ومشروعيته من الواقع ومن حقيقة وجود جملة من القضايا العرقية والطائفية المتراكمة عبر تاريخ طويل من الصراعات والأحقاد بين مكونات هذه المنطقة وابناءها, وبالتالي فإن عملية الأخذ بالممارسة الديمقراطية التوافقية والسير بالمنطقة نحو فضاءات الشراكة والعيش الإختياري يفضيان وفق ثوابت العلم السياسي في جانبه الإيجابي إلى التخفيف من آثار تلك الصراعات والأحقاد ويضع ما بقي منه وترسب في الأذهان في إطار ملطف لعملية سياسية تنافسية أقل ضرراً وخسارة من ذي قبل فيما إذا أستوفت عملية قيام أنظمة ديمقراطية توافقية في المنطقة شروط نجاحها وعوامل ديمومتها . مثل : -1 عدم إقصاء أي مكون أو فئة لها خصوصية وفاعلية من الشراكة والإندماج في الحياة السياسية والإدارة (بناء تحالفات واسعة لحكم وقيادة الدولة) 2- إيجاد آلية النقض (الفيتو) المتبادل لحماية المصالح الحيوية لكل المكونات , خاصة الأقل عدداً 3- إعتماد الحالة النسبية كمقياس على صعيد التمثيل السياسي والإداري 4 – استقلال ذاتي لكل مكون في منطقته , وادارة شؤونه الداخلية بنفسه دون أية إملاءات مخالفة للقوانين من المركز .
– من المفيد في هذا التناول للديمقراطية التوافقية , وكي لا يكون هنالك أي إلتباس أو فهم خاطئ حول الموضوع , لا بد أن نؤكد على أن الممارسة الديمقراطية برمتها ومنها الشكل التوافقي خاضعين لمبدأ النسبية في حقل تطور آليات الحكم والإدارة , ولا يمكن عدهما من المطلقات أيضاً , إنما الديمقراطية عموماً وبأنماطها المتعددة هي حتى الآن وكما قيل عنها أفضل وسيلة مكتشفة لإدارة المجتمعات الانسانية وحكمها .
11 / 3 / 2014






