في ثوابت الثورة ومتحولاتها

صلاح بدرالدين

 كل يوم يضاف الى عمرالثورة السورية يقدم جديدا لتجربتها وعبرة في دروسها ولن يغير من هذه الحقيقة غياب محللين متابعين لمسيرتها وانعدام حلقات دراسية مختصة على الصعيد الوطني لملازمة المستجدات واستخلاص النتائج في مسيرة هذه الثورة الفريدة التي تشغل الرأي العام وتستقطب الشرق والغرب وتجتذب أهم مراكز البحث والدراسات العالمية خاصة في الغرب لتقصي أدق تفاصيل حياتها الداخلية وقواها وتياراتها العلمانية والدينية وكيفية تسلل منظمة القاعدة والجماعات المتطرفة الى صفوفها ودور نظامي دمشق وطهران وحكومة المالكي في تسهيل عبورها وتمايزات فصائلها الثقافية وآفاقها القريبة والبعيدة ومسألة السلم الأهلي وامكانيات التعايش بين مكوناتها الوطنية بعد انتصارها
 وكونها من أكثر الثورات نموذجية ومثالا لمستقبل انتفاضات الشعوب المنتظرة على الاستبداد في قادم الأيام والسنين بمنطقتنا المحكومة بضروب الدكتاتورية والاستبداد فليس الهدف من ذلك مجرد ترف ثقافي – اعلامي بل تحقيق حاجة موضوعية لاستمرارية الثورة على هدي البرنامج السياسي السليم الذي أحوج مايكون الى التطوير والترشيد بين مرحلة وأخرى على ضوء المتغيرات الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية السلبية منها والايجابية لتتحصن أمام التحديات وتصمد أمام المخاطر بكل أنواعها السياسية والعسكرية والاختراقات الأمنية وتسلل الأفكار الهدامة ونزعات الإرهاب والتطرف وميول التسلط والاحتواء من جانب جماعات الإسلام السياسي المتطرفة المرفوضة تاريخيا من مجتمعنا المتعدد الأقوام والأديان والمذاهب .

  لقد قامت الانتفاضة الوطنية السلمية منذ مايقارب الثلاثة أعوام وتحولت الى ثورة دفاعية أمام اعتداءات وعدوانية النظام الجائر على السوريين واستهداف أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم ومصادر أرزاقهم ومدنهم وقراهم أقول قامت أساسا من أجل اسقاط النهج الأحادي المستبد المتمثل بالفرد الواحد والعائلة الواحدة والفئة الواحدة والحزب الواحد والقوم الواحد على حساب إزاحة الآخر المختلف وتجاهله واقصائه في بلد يتميز بالتعدد والتنوع شعبا وحضارة وأرضا وتاريخا قديما وحديثا .
 فمن الثوابت المشتركة لكل الأطياف السورية المنخرطة بالثورة أن وجود وبقاء النظام الحاكم بمواصفاته وطبيعته تهديد لكل المكونات القومية والدينية والمذهبية وأن المنطلق الحقيقي لمواجهته نابع من الدوافع الوطنية البحتة والمشاركة العامة ولاتقتصر على قومية أو دين أو مذهب وفي الوقت عينه تتحمل التيارات السياسية والمدارس الفكرية والثقافية جمعاء مسؤولية التصدي لهذا الخطر الذي يتهدد الجميع على أرض الوطن .
  من تحصيل حاصل ضمن تلك الثوابت الوطنية داخل الخندق الثوري عدم جواز بروز النزعة الأحادية في قيادة الثورة واحتكار المواجهة والدفاع تحت شعارات وخطابات وثقافات أحادية المنشأ قومية كانت أو دينية أو مذهبية على مبدأ أن معالجة الخطأ لاتتم بالخطأ المكرر وان حصلت فمآلها الانحراف والردة ثم الانتقال الى صف الاستبداد .
  الخطأ الأول الذي اقترفته ” المعارضات ” وبخاصة (المجلس الوطني السوري) عندما اخترقت الثوابت بتقليد وسلوك نهج النظام في محاولة السيطرة الأحادية (الدينية والقومية) على مقاليد – المجلس ومن ثم الائتلاف – وقد دفعا الثمن بالعزلة عن الثورة والغربة عن الشعب ولم يعد ينفعهما البيانات المدفوعة الثمن على غرار برقيات التأييد التي كانت تنهال ” باسمي وبالنيابة عن عشيرتي وقريتي وقطعتي العسكرية ” على الانقلابيين أيام زمان وتبث من اذاعة دمشق .
  ومن تلك الثوابت الوطنية الثورية التي استحوزت على شبه الاجماع أن الهدف الرئيس هو اسقاط النظام وتفكيك سلطته من مؤسسات ورموز وقاعدة تمويلية ومساند عسكرية – أمنية والحفاظ على السلم الأهلي والعيش المشترك بين الجميع على قاعدة التسامح والتصالح ثم الارتكان الى المبادئ الديموقراطية وإرادة السوريين في إعادة بناء الدولة الوطنية التعددية التشاركية بموجب دستور عصري ضامن لحقوق كل المكونات ومعتقداتها واحترام اراداتها في اختيار مايناسبها من حقوق سياسية وقومية وإدارية ضمن اطار سوريا الواحدة .
  خطيئة قاتلة جديدة تقترفها جماعات القاعدة من (داعش والنصرة) وهي متعددة الولاءات بين مراكز المخابرات السورية والإيرانية ومرجعية الظواهري التي تجمع بالخروج على ثوابت الثورة والارتداد على شعاراتها السابقة وتعهداتها المعلنة وذلك بمناداتها المسبقة بدولة الخلافة الإسلامية وفرض قواعد الشرع على من يطالهم نفوذها بقوة السلاح وهي من أشد وأسوأ أنواع الثورة المضادة التي يجب الوقوف بوجهها بشتى السبل .
  من جملة متحولات الثورة السورية توسعها البشري وانضمام تيارات دينية إسلامية الى صفوفها ( وقد تنضم لاحقا مرجعيات دينية ومذهبية مسيحية وعلوية ودرزية الخ ) بعد أن كانت نواتها الأساسية من تنسيقيات الشباب الثائر المستقل ذات الغالبية العلمانية البعيدة عن الآيديولوجيا وأضيف عليها ضباط الجيش الحر وأفراده ذووا المنشأ العلماني أيضا وإزاء ذلك نقول أن من مصلحة الثورة أن تكون متنوعة الأطياف والتوجهات والتيارات السياسية من دون سيطرة وتحكم طرف واحد على قاعدة التوافق والمساواة والمصير المشترك والالتزام بثوابت الثورة وأولويتها على الاجتهادات الفئوية والجانبية الخاصة والكفاح المشترك لانجاز مهام المرحلة الراهنة من برنامج الثورة وهي اسقاط النظام ولاضير ولاضرر من ممارسة كل طيف واجباتها ونشاطاتها الثورية بألوانها ولغاتها وطرقها الخاصة في المجرى الوطني العام وكما أرى فان ذلك يعبر عن درس ثمين استخلصناه من تجربة ثورتنا الوطنية .

 لذلك نعود ونكرر أن الثابت في سوريا الثورة الراهنة والجديدة القادمة وقدرها المحتم وأمام كل متحولاتها السابقة والراهنة واللاحقة هو التعدد بألوانه الزاهية والتوافق في اطار الشراكة والوحدة والعيش المشترك .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…