عبدالرحمن كلو *
في هذه المرحلة الإنعطافية من تاريخ العالم عموماً والشرق الأوسط خصوصاً تفرض علينا مجريات الأحداث أن نعود إلى الترجمة الفعلية للكثير من المفاهيم النظرية، التي طالما بقيت معلبةً في مرحلة الصراع بين القوتين العظميين ، بحسب الشروط التي فرضتها قوانين الحرب الباردة وأهمية أدواتها في الأطراف والأقاليم البعيدة ، والتحول أياً كان موضعه و بكل الاتجاهات كان خاضعاً للاتفاق أو التوافق بحسب منطقة النفوذ والتفاهمات المبدئية بين القطبين المحركين للأحداث، لكن مع انهيار الدولة السوفييتية ومنظومة قوتها بدأت المتغيرات العالمية تسير وفق قوانين مختلفة ومتمايزة إلى حد كبير، حتى جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتكون بدايةً لعالم آخر مختلف، لكن بمنأى من هذه المفاهيم وبالتوازي معها كانت هناك محاولات لتقزيم القضية الكوردية وتحجيمها بل وتحريف مسارات المشروعية التاريخية لهذه القضية العادلة ، وذلك من خلال مشروع الادارة الذاتية الذي يلف حوله الكثير من الغموض والشكوك ، فهذا المشروع في جوهره لا يختلف عن الادارة المحلية القائمة في المحافظات السورية الآن بل هو أقل منه مستوً من الناحية المؤسساتية والمهنية ، وفي الجانب السياسي فهذا المشروع ليس له أي محتوى سياسي على الإطلاق ولا يعبر عن أي طموح وطني كوردي ويبتعد كثيراً عن إرادة الشـــــعوب الأصلية التي تعيش على أرضها التاريخية وحقها في أوطانها التاريخية ، بل ينسجم المشروع تماماً مع الفهم القائم على حقوق الأقليات أو الجاليات الطارئة على بلاد أخرى ، كما أن المشــــروع ينســـجم مع فهم حزب العمال الكوردســتاني في تســعينيات القرن الماضــــي بخصـــوص التعامل مع هذا الجزء إذ لا يقر بوجـــــود قضية كوردية بذاتها في ســوريا ، وبالعودة إلى بعض الكتابات والوثائق ذات العلاقة بالكورد الســـــوريين نتذكر الحملة التي حملت عنوان: فليبدأ موســـم الهجرة إلى الشمال …! وتم التأكيد على : ( …أنه لا توجد منطقة كوردية باسم كوردستان سوريا ، و الكورد السوريون مجرد مهاجرون من الشمال … ) ومشروع الادارة الذاتية في جوهره ما هو إلا انعكاس مباشر لهذه المفاهيم وامتداداً طبيعياً لسياسة ومواقف حزب العمال الكوردســــتاني من القضية الكوردية في سوريا ، وفي محاولات غير موفقة لإخفاء سلبية هذا المشروع تجاه القضية الكوردية وإضفاء بعض الغموض والضبابية عليه ، ألحق باسم المشروع مواصفات لفظية ذات طابع تجميلي ليست لها أية علاقة بالبعد أو الوظيفة القانونية للمشروع مثل الإدارة الذاتية الحرة أو الادارة الذاتية الديمقراطية الحرة…..الخ وعلى هذا الأساس جاءت كل التسميات التي أطلقت على المنظمات الكوردية السورية المنبثقة عن امتداد سياسات وأيديولوجيا حزب العمال مجردةً من الوصف بالانتماء الوطني الكوردي ، بل هي تحمل اسم الشعب بديلاً عن التوصيف الكوردي أو الكوردستاني ، على الرغم من الإقرار اللفظي بتسمية هذا الجزء بغربي كوردستان وذلك للتعويض عن التوصيف بالانتماء السياسي قومياً أو وطنياً ، في محاولة للهروب إلى الأمام ، وبالحديث عن مضمون الادارة الذاتية في الجانب الجغرافي التاريخي والسياسي نرى أن هذا المضمون لا يتعدى حدود إدارية رسمتها الجغرافيا الطبيعية مثل الوديان أو الأنهر أو تلال أو ما شابه وهنا يمكن أن تكون للضرورات المهنية أو المؤسساتية دوراً كبيراً في رسم هذه الحدود وأيضاً التجمعات البشرية والكتل السكانية وكثافتها ، باختصار هي حدود إدارية (محافظات ، مناطق ، نواحي ، بلدات ، قرى ….) رسمت على نحو ما يمكن تخديم مختلف أنحاء المنطقة الادارية بالشكل الأسهل أي أن هذه الحدود ذات طابع خدمي ليس لها أية علاقة لا بالجغرافيا السياسية ولا بالتاريخ ولا بحق الشعوب الأصلية على أرضها وفي أوطانها التاريخية في حكم نفسها وإدارة مواردها الطبيعية ، والحزب السياسي مهما علا شأنه أو ارتفعت قامته فهو غير مخول في أن يحول القضية الوطنية إلى حدود إدارية مرسومة لأهداف خدمية وظيفية و الانطلاقة منها كأمر واقع بعيداً عن الحدود الوطنية التاريخية للشعب .






