سـوريا الجريـحة … تستقبل عامـاً جـديـداً..!

  افتتاحية جريدة الوحـدة *

على وقْع أنين الجرحى ونحيبِ الأمَّهاتِ الثكالى، يطلُّ عامٌ جديدٌ على سوريا التي تشهدُ وضعاً بالغَ التعقيد والمأساوية جرّاءَ عمليات القتل الوحشية اليومية وقصفٍ جوي وبري لأحياءِ العديد من المدن والبلداتِ دون أي وازع من ضمير، إضافة إلى حرق المحاصيل الزراعية وعملياتِ الاعتقال التعسفي وغيرها من الأعمال المخلّة بكرامة الإنسان التي يقوم بها النظام الأمني الاستبدادي.

فمنذ انطلاقة الثورة السورية السلمية في إطارِ ثورات الربيع العربي منذ ما يقارب الـ 22 شهراً، لم يمرّْ يومٌ واحدٌ على الشعب السوري دونَ إراقة دم أبنائه واستشهادهم في سبيل الحرية والكرامة المنتهكة على يد أجهزة النظام القمعية على مدى ما يزيدُ عن الأربعة عقود من الزمن، حتى فاقَ عدد الشهداء حسبَ الأرقام الموثقة الصادرة عن الأمم المتحدة الستين ألف إنسان..!! ولا تزالُ رحى دوّامة العنفِ تطحنُ المزيد من الأرواح كلَّ يوم.
يطلّ عامٌ جديد على سوريا، وهي تشهد أوضاعاً أمنية ومعاشية مزرية قلَّ أن شهدتْها دولٌ في التاريخ  المعاصر بدءاً من حالة الفوضى والفلتان الأمني وانتشار العصابات المسلحة وقطّاع الطرق وعمليات اختطاف المواطنين كرهائن وإطلاقهم لقاء فدية نقدية، مروراً بوضع اقتصادي متدهور وفقدانٍ للمواد الغذائية وحليب الأطفال وندرة الخبز، وانتهاءً بوضع إنساني مقلق لملايين المهجّرين من المحافظات المنكوبة ضمن البلاد وخارجها، أولئك الذين يعانون الأمرّين من الغربة وقسوة الشتاء وشظَفِ العيش.
يطلُّ عامٌ جديدٌ على شعب سوريا ولا يزالُ الجرحُ نازفاً وقضيته رهينةٌ للمصالح الدولية والإقليميـة التـي يسعى كل طرفٍ فيها إلى فرض شروطه الخاصة في ظلِّ عجز وشكلية دورِ الهيئات والمنظمات الدولية.
يطلُّ عامٌ جديدٌ والسوريون أشدُّ إصراراً على مواصلة النضال لتفكيك بنية النظام الأمني الشمولي وإقامة نظام ديمقراطي برلماني تعددي على أنقاضه، يحصلُ فيه كل السوريين على حقوقهم المتساوية على أرضية الشراكة الوطنية والاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكردي وحلِّ قضيته القومية وفقاً للعهود والمواثيق الدولية المتعلقة بهذا الشأن ضمن إطار وحدة البلاد، وضمان حقوق كافة الأقليات القومية وحرية ممارسة شعائرها الدينية بعيداً عن منطق الاستعلاء القومي أو الديني أو المذهبي والطائفي، والعمل على تضافر كل الجهود الخيِّرة لرفع شأن البلاد كي تتبوّأَ مكانها اللائقَ بين الدول التي تحترمُ حقوق الإنسان وتصونُ حرية الرأي والتعبير.
حريٌ بشعوب العالم- وخصوصاً في شرقنا المتوسط – أن تتعظَ من الدرس السوري وتتعلمَ منه الكثير، وأن تبادرَ حكوماتها إلى حلِّ قضاياها الداخلية وخلافاتها بأيديها عبر الحوار المباشر بين الأطراف المتنازعة بصورةٍ سلميةٍ، وألا تدعَ مجالاً لتحويلِ بلدانها إلى ساحاتٍ لحروب الآخرينَ على أراضيها فتدفعَ شعوبُها الضريبة مضاعفة وتضطرَّ في نهاية الأمرِ للعودة إلى طاولة الحوار.

وفي هذا السياق، نذكِّرُ بالمبادرة السلمية التي أطلقتها الحركة الوطنية الكردية وقوىً وطنية سورية أخرى في بدايات الأزمة دعتْ فيها إلى الحوار الجاد والمسؤول بين السلطة والمعارضة الوطنية عبر خطواتٍ متسلسلة تسبقُ الحوار الوطني الشامل والتي رفضتها السلطة آنذاك منطلقةً من غرورها وتصوُّرها بأنها سوف تتمكّنُ من حسم الأمر لصالحها بقوة الحديد والنار عبر اعتماد الخيار الأمني العسكري دون سواه، والتي أثبتتِ التجربة العملية عقمه وفشله، وما مشاهدُ الدمار والفظائع التي تشهدها البلاد اليوم إلا من نتائج تلك العقلية الإقصائية الإستفرادية النازعة إلى بسط هيمنتها باستخدام لغة القتل والبطش وإرهاب المواطنين العزّل .
من حق المرءِ أن يتساءل، تُرى لماذا يتمّ تدمير وطنٍ وقتلُ شعبٍ على مرأى ومسمعِ المجتمع الدولي على مدى ما يقارب السنتين ولم يبادرْ هذا العالمُ حتى اليوم إلى حماية مدنييه العزّل من الموت ووقف عمليات القتل اليومية بحق هذا الشعب بالطريقة التي يراها مناسبة؟!…أليس هذا الصمتُ الدولي على ارتكابِ هذه المجازر دليلاً على توافق القوى العظمى على الاكتفاء بمراقبة الحالة الدموية في سوريا كي لا تصلَ شرارتُها إلى الجوارِ المحيط بها ؟!!
ويبقى مبدأ الحوار وعاملُ التفاهم والتآلف بين كافة أطيافِ المعارضة الوطنية السورية هو الأساسُ لعدم إقصاء أي طرفٍ أو مكوِّن من المكونات السورية ويشكِّلُ الرافعة الأساسَ والأملَ المنشودَ لمواصلة العمل وتضافر كل الجهود المحلية والإقليمية والدولية لوقف نزيفِ الدم وإنهاء الاستبداد لطي صفحة نظام الحزب الواحد بغية تحقيق التحوّل الديمقراطي وبناء دولة ذات نظام برلماني تعددي، نظام يحترم حقوق الإنسان ويصون حرية وكرامة المواطن بعيداً عن العسف والتمييز.
 الرحمة لشهداء الحرية والكرامة في سوريا الجريحة…!.

* جريدة الوحـدة – العدد /233 /- الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. حـمـدي سـنـجـاري   في كل دولة تسعى إلى النهوض، تأتي لحظات مفصلية تُختبر فيها جدية مؤسساتها في تطبيق القانون ومواجهة الفساد. وما نشهده اليوم من تحرك حكومي جاد لملاحقة الفاسدين واسترداد هيبة الدولة يمثل رسالة واضحة مفادها أن القانون يعلو على الجميع، وأن النفوذ والانتماء لا يمنحان أحداً حصانة من العدالة. عانى العراق سنوات مديدة من الفساد الإداري والمالي،…

د. عدنان بوزان منذ نهاية الحرب الباردة، احتلت مفاهيم مثل التعايش وأخوة الشعوب والتعددية والمواطنة المشتركة مكانة متقدمة في الخطابين السياسي والفكري، بوصفها مفاتيح لبناء مجتمعات أكثر استقراراً وعدالة. وقد جاءت هذه المفاهيم استجابةً لتجارب إنسانية قاسية أثبتت أن الصراعات القومية والعنصرية والدينية لا تخلف سوى الحروب والانقسامات وإضعاف الدول والمجتمعات. غير أن تحويل هذه المبادئ إلى واقع سياسي…

ماهين شيخاني في زمن تتغير فيه الخرائط، هل يبقى الكورد متفرجين؟ ليس هناك ما هو أشد إيلاماً من أن يمتلك شعبٌ كلَّ مقومات البقاء، فيفقدها بسبب انقساماته الداخلية. هذا هو جوهر المأساة الكوردية اليوم. فبينما تُعاد رسم خرائط الشرق الأوسط تحت وطأة المتغيرات الجيوسياسية، وبينما تسقط الأنظمة وتنهض أخرى، وبينما تتهاوى التحالفات وتُبنى غيرها، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً يطرق أبواب…

عبدالرحيم حسن من السهل تحميل الاحزاب الكوردية في روآڤايي كوردستان مسؤولية الاخطاء وماآلت اليه الاوضاع كما انه من السهل اتهام الشارع الكوردي بالتقاعس واللامبالاة ولكن في الحقيقة الازمة التي تعصف بالمجتمع اكثر تعقيداً فهي نتيجة تراكمات واخطاء مشتركة بين الاحزاب السياسية والنخب الاجتماعية والثقافية والمجتمع نفسه.   لاشك ان الاحزاب الكوردية تعاني من ضعف واضح من حيث التاثير والحضور الشعبي….