إبراهيم محمودإلى نهاية التلقين..،
كان مضرب المثل لرفاقه الحزبيين، مرفوع الرأس، حرَّاً ابن حرٍّ، لم يعرف الخضوع لأحد، صلباً كان، ومتفانياً في خدمة قضية شعبه الكردي، محل تقدير من قبل رفاقه الحزبيين، ذا سمعة حسنة في مجتمعه، وخسر الحزب برحيله مناضلاً عقائدياً مقداماً، شهماً، وكل كلمة تبزُّ الأخرى من باب المنافسة التاريخية والمنتظرة ونيل رضا المعنيين بالمتوفى، واعتبار صاحبها نجماً تأبينياً بامتياز! لكن الواقعة الثالثة، كانت الأكثر حضوراً، وكذلك الأكثر جدارة بالتسجيل، وهي تتجلى في الروح التي فارقت جسده، وهي تضطرب وتتوجع، بقدر ما ينضغط عليها، وهي بين الواقعتين الأوليتين، وهي تناوشهما معاً: ما كان المتوفى متعهّد مبدأ ثابت في حياته كما علَّموه، وما كان يعرِف في الله عبداً من عباده، كما تقولون، لقد كان مؤمناً دون إيمان، دنيوياً دون أن يتمثل الشروط الدنيوية كغيره، يغرَّر به على مذبح شهوات الآخرين كثيراً، بنيَّة طيبة دون أن يكون طيّباً مع بني جلدته شأن سواه من المحيطين به في لغات أخرى، ينصاع لإملاءات كما هي توجيهات الأعلى منه في قيادته، ولا كان بعقائديٍّ من النوع الذي تصفون، ولا كان بمتخذ من المؤمنين إخوة والمؤمنات أخوات، لأن إيمانه كان مركَّزاً على ما يضعه في الواجهة، وحيث لم أعهد فيه- أيضاً- ديناً، ولا عقيدة فعلية، ولا قسَماً يمكن تحديده في نوع إيمانه من خلاله، أو اتجاهاً حقيقياًَ للكشف عن موقعه.
ولكم كان ينتهز الفرص للنيل من أقرب رفيق له، ويراقب تحركاته لصالح الأعلى مرتبة منه والمكلَّف من قبَله، ولا يمنحني “أنا الروح” فرصة التقاط الأنفاس، وهو يتنقل بين مكلّفه المسئول عنه، وبقية رفاقه الذين يتَّصل بهم .
وتستمر الروح في شكواها الهادرة: لكم دعوت الله وتوسَّلْته في أن يحررني من هلوسات جسده، وأن يخرجني من إطاره ليل نهار، لأنني لم أهنأ لحظة واحدة، وهي يتحول كل لحظة، دون أن يحدد اتجاهاً له.
لكَم ضاق بي جسم هذا المتوفى، وشعرت بالاختناق، لأنه كان شديد التلون، فكنت أعاني من كوابيسه الليلية، وتقلباته النهارية بقدر ما كنت أُثقَل برغباته الكثيرة وهي أن يزيح أياً كان من طريقه، ليكون هو الآمر الناهي.
كان كثير الكلام قليل التفكير اندفاعياً، محدود التماسك النفسي، متردّداً، متوعداً ومهدداً من يخالفه أو يسعى إلى تلويث سمعته كلما شعر بضآلة حجمه أمامه، لا يرى في المختلف سوى القدح، وفي التابع له نموذج العقلاني كثيراً، يتغلب فيه وهْمه على سوية التفكير (كيف يكون التفكير وهو ينوء تحت شعارات وهتافات متراكمة؟)، تميّزه المجاملات في أكثر المواقف مصيرية، هروبي إزاءها، يحب السجال كثيراً ويصدر أحكاماً قطعية، ويطعن في كل من هو خارج دائرته الحزبية، ويشك في الذين يعيشون استقلاليتهم رغم توادده الاستعراضي إليهم.
اليوم، واللحظة، أشعر أنني روح حقيقية استعادت عافيتها، وسأعْلِم كل الأرواح التي سألتقيها بما لاقيته من عذابات هذا الكردي، وسوف أشهد عليه يوم الدين، كيف كان يعذبني بتناقضاته، وسأكون خصيمه ما حييتُ!






