د.آلان كيكاني
لم أدرك وقتها أن الذئاب الانتهازيين يربضون خلف المظاهرات يلبسون أثواب النسّاك ويتحينون الفرصة للانقضاض على ثمار الثورة واستغلالها .
فما كاد الوضع أن يهدأ قليلاً في مصر حتى برز هؤلاء وكشفوا عن وجوههم القبيحة وفكرهم المتخلف الذي يريد أن يجر مصر إلى الهاوية.
أجد نفسي مضطراً في هذه الأيام للترحم على حسني مبارك وأيامه وأعتذر له عن مسباتي وأنا أرى الإسلاميين تارة يقودون فناناً من وزن عادل إمام إلى المحاكم ويحكمون عليه بالسجن بذريعة التطاول على الرموز الدينية ويخرجون على الملأ تارة أخرى ليفتوا أن وجه المرأة مثل فرجها ويجب ستره , بل وزادوا في تطرفهم حد رفع الآذان في مجلس الشعب.
فمنذ أيام وفي جلسة علنية في البرلمان المصري كان يتم فيها النقاش بين الأعضاء لدراسة الوضع في مصر بعد أحداث بور سعيد الدامية كان هناك نائبٌ ينظر إلى ساعته كل دقيقة , وفجأة ودون إذن أو مقدمات نهض من على كرسيه ورفع آذان العصر بصوت جهوري دون أن يأبه لصرخات المحتجين من زملائه ودعوات رئيس المجلس له بالكف عن فعله وإنما استمر الرجل في الآذان وكأنه منقطع عن العالم الخارجي حتى أتمه .
هذا السلفي العتيد والبرلماني المؤذن الذي دخل حديثاً إلى مبنى البرلمان ليؤذن فيه لا يختلف عن ذاك الأعرابي الذي دخل أول مرة إلى المسجد النبوي أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وجعل يبول فيه فأخذت الصحابة غيرة وصاحوا به وزجروه وهموا بضربه إلا أن محمداً دعا أصحابه قائلاً : لا تزرموه , أي لا تقطعوا عليه بوله , ثم أمرهم أن يصبوا على بوله ذنوباً , أي دلواً , من الماء ثم دعا الأعرابي وقال له: إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من القذر , وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن وذكر الله .
والبرلمان أيضا لا يصلح فيه الآذان والصلاة وإنما هو لمناقشة مشاكل الأمة وأحوال الرعية بغية تحسين أحوالهم عن طريق سن القوانين الكفيلة بذلك ناهيك عن أن البرلمان فيه المسيحيون والملحدون إلى جانب المسلمين فلا يجوز احتكاره دعائياً لدين أو مذهب بعينه .
من الواضح أن هذا البرلماني والمؤذن كان يريد أن يمتن على الله بأنه أول من رفع الآذان في مجلس الشعب المصري تطبيقاً للحديث النبوي المعروف : ” أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : نُصرت بالرعب مسيرة شهر , وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل , وأُحِلَت لي المغانم ولم تُحل لأحد قبلي , وأُعطيت الشفاعة , وكان النبي يُبعث إلى قومه وبُعثت إلى الناس عامة “.
ففي رأيه أن النص الديني يسمح له بالآذان والصلاة أينما كان مادام وقت الصلاة قد حان لذلك عليه تطبيقه فهو لا يأبه بما حوله وكأنه ساعة منبه ترن إذا جاء الوقت الذي عُيرَت عليه .
السلفي والأعرابي في كليهما كفر ونفاق وجهل وفظاظة وعجرفة وسوء خلق , وتيهانٌ وسوء توجه فذاك بال في أرض مخصصة للصلاة وهذا دعا إلى الصلاة في مجلس مهيء لنقاش أحوال الرعية ووضع القوانين لهم , ذاك لا يميز بين المسجد والمرحاض وهذا لا يفرق بين بين المسجد والبرلمان فبماذا يختلف هذا عن ذاك ؟ وعليه وإذا لم تضع الحكومة المصرية حداً لهكذا ناس فإن غداً ستشهد الماضرات الجامعية الآذان وإقامة الصلاة في قاعاتها ومخابرها وقد تتملك الغيرة مسيحياً فيدخل معه ناقوساً إلى قاعة مجلس الشعب ينادي به المؤمنين إلى الصلاة وسيغدو الأمر فوضى لا يتحملها العقل .
ومن المؤلم أن يتخيل المرء أمام هكذا مشهد أن غياب القبضة الحديدية عن شعوبنا قد يلقي بها إلى أتون التطرف والعصبية ما دام الماضي هو الذي يحركهم .






