المحامي مصطفى ابراهيم ولا ابوح سرا بأن الكثير من الكورد تفاؤلوا خيرا لبعض الخطوات الصغيرة والمحدودة التي أقدم عليها أردوغان طريقا لحل سلمي للقضية الكوردية ولكن بمزيد من الأسف فقد تبددت تلك الآمال وخابت بعد سلسلة الاجراءات التي شهدتها الساحة الكوردستانية في الآونة الاخيرة وحسب اعتقادي المتواضع بأن التصعيد الاعلامي وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع اسرائيل يدخل في فصول تلك المسرحية .
فغني عن البيان بأن القضية الكوردية تعود بجذورها التاريخية لاكثر من قرن والحكومات التركية المتعاقبة لم تتجاهل وجود الشعب الكوردي بملايينه العديدة على ارض الآباء والأجداد فحسب بل تعاملت معه بأقسى درجات البربرية والوحشية من قتول جماعية وهجرات قسرية وعمليات صهر قومي ممنهج لتذويب الذات الكوردية في بوتقة الطورانية التركية بتتريك الأسماء و الأنساب والبلدات والمعالم التاريخية في طول كوردستان وعرضها
واليوم ونحن في العقد الثاني من الألفية الثالثة يحاول السيد أردوغان اعادة عقارب الساعة ودورة التاريخ الى الوراء وانتهاج سياسات اسلافه التي باءت بالفشل الذريع فالشعب الكوردي اليوم أكثر تصميما واصرارا من اية مرحلة سابقة على نيل حقوقه القومية أسوة بباقي شعوب الأرض والحركة الكوردية في كوردستان الشمالية التي يقودها حزب العمال الكوردستاني بجناحيه العسكري والمدني منذ ثلاث عقود ونيف وبصرف النظر عن التباين والاختلاف حول نهجه وبعض ممارساته غير المسؤولة احيانا الا انها حقيقة و واقع ملموس ومعاش يوميا على الساحتين الكوردستانية والتركية وقد استنزف هذا الصراع شلالا من دماء الشعبين الكوردي والتركي ناهيكم عن الكلفة الباهظة في اقتصاد البلاد كان بالامكان توفيرها في مجال التنمية لمستقبل اكثر ازدهارا واشراقا للشعبين معا .
فهل آن الاوان لصناع القرار في تركيا المبادرة لاتخاذ الموقف الشجاع قبل فوات الآوان بوقف نزيف المزيد من الدماء وازهاق المزيد من ارواح شباب الشعبين و ولوج طريق الحوار بعيدا عن لغة التهديد والوعيد وقصف القرى وقتل الأبرياء والتعاطي مع الواقع وليس تجاهله أو الالتفاف حوله ومحاولة تصدير الأزمة الى خارج الحدود بتحميل اوزارها لأطراف اقليمية لأن قضية الشعب الكوردي لا تختزل ولا تختصر بمجموعات المقاتلين في جبال قنديل بل تتجسد بملايينه الثلاثين والذي يخرج منهم عشرات الآلاف يوميا تجوب شوارع وساحات المدن الكوردية وأطراف المدن التركية الكبرى وهي تهتف بصوتها العالي مطالبة بحقها في الحرية والكرامة الانسانية .
ومرة اخرى أقول حبذا لو راجع صناع القرار في تركيا صفحات التاريخ القريب فاليمين الفرنسي تنكر لحقوق الشعب الجزائري لعدة عقود وتعامل مع ثوار الجزائر بلغة الحديد والنار والقى بقادتهم ( بن بيلا ورفاقه ) في سجن قلعة أفيان ولكن الله والتاريخ أنعما على الشعب الفرنسي بالقائد الاسطوري شارل ديغول الذي اعترف باستقلال الجزائر وأفرج عن قادتها كما ان حكومة جنوب أفريقيا العنصرية ألقت بنيلسون مانديلا في غياهب سجونها لثلاث وعشرون عاما ولكنها اضطرت في نهاية المطاف الى اطلاق صراحه وقبلت به رئيسا لتلك الجمهورية أما المثال الابرز والأقرب الى اذهاننا وذاكرتنا هي الثورة الفلسطينية وقائدها الراحل ياسر عرفات فبعد صراع دموي عنيف مع اسرائيل بلغ عدد ضحاياه الآلاف من ابناء الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي قبل الراحل اسحق رابين بتوقيع اتفاقية سلام مع (( الارهابي )) عرفات ورفاقه ( القتلة والمجرمين ) في حدائق البيت الابيض .
فهل سيختار السيد أردوغان مثالا من تلك المثلة ويدخل التاريخ من اوسع أبوابه ؟؟ وان كنت اتمناه مخلصا صادقا لكني أشك في نواياه وتردده وازدواجية مواقفه وانتقائيتها فهو في الوقت الذي ينصح الأسد ويحذر نتنياهو بالكف عن الخيار العسكري والحلول الأمنية تجاه الشعبين السوري والفلسطين يوغل في القتل والاعتقال لأبناء الشعب الكوردي شريكه التاريخي في الوطن فينطبق عليه حيال هذا التناقض والنفاق السياسي في الموقف والخطاب قول الشاعر العربي :
أتنهي عن أمر وتأتي بمثله عار عليك ان فعلت عظيم






