بين حكم الأقلية وحكم الأكثرية “ضياع القضية الكوردية”

محمد صالح شلال

 

لطالما كانت القضية الكوردية في سوريا رهينة للصراعات السياسية الداخلية والتوازنات الإقليمية والدولية فعلى مدار العقود الماضية لم تجد هذه القضية حلاً عادلاً سواء في ظل حكم الأقلية كما كان الحال خلال حكم حزب البعث وآل الأسد أو في ظل الأكثرية كما يتجلى الآن في ظل السلطة الإسلاموية الجديدة في دمشق.

لقد عانى الكورد في الدولة السورية من التهميش والاضطهاد، والحرمان من الحقوق القومية والثقافية لا بل حتى حرمانهم من أبسط حقوق المواطنة حيث تم تجريد الآلاف من الهوية السورية وتم تسميتهم بالأجانب ، ما جعلهم يعيشون في حالة من الترقب المستمر لمستقبل غير واضح المعالم.

كان اتفاق سايكس بيكو نقطة تحول تاريخية، حيث قسم أراضي الإمبراطورية العثمانية بين دول التحالف، مما أدى إلى حرمان الشعب الكوردي من قيام دولة خاصة به، وأُلحق جزء من كوردستان بالدولة السورية التي خضعت للانتداب الفرنسي، مما جعل الكورد أحد المكونات الرئيسية في سوريا الحديثة، فمنذ ذلك الحين ارتبط مصير الكورد بتقلبات السياسة السورية، دون أن يحصلوا على الاعتراف بوجودهم وبحقوقهم القومية والثقافية.

عند تأسيس الدولة السورية تحت الانتداب الفرنسي، كان للكورد حضور واضح خاصة في شمال البلاد (الحسكة، القامشلي، كوباني، عفرين) حيث يشكلون الأغلبية، ناهيك عن وجودهم المميز في المدن والمناطق الأخرى من البلاد.

 بعد خروج الفرنسيين أصبحت سوريا تحت سيطرة القوميين العرب والذين اعتبروا البلاد جزءاً من “الأمة العربية” و النتيجة تم تهميش المكونات الغير عربية وخاصة الكورد.

مع استيلاء حزب البعث على السلطة في عام ١٩٦٣ تبنى النظام سياسة قومية عربية متشددة انعكست بشكل واضح على الشعب الكوردي في سوريا حيث جُرّد عشرات الآلاف من الكورد من الجنسية السورية بإجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة عام ١٩٦٢ وتتالت القوانين والإجراءات الشوفينية بحق الشعب الكورد فكان مشروع الحزام العربي (١٩٦٦ – ١٩٧٣)  تم بموجبه الاستيلاء على الآلاف من الهكتارات من الأراضي الزراعية العائدة للكورد وتم إنشاء مستوطنات لمواطني عرب تم استقدامهم من محافظتي الرقة وحلب وتوزيع تلك الأراضي عليهم وذلك بهدف تغيير التوازن الديمغرافي للمناطق الكوردية وتقطيع اوصالها، كما تم تغيير أسماء القرى الكوردية إلى أسماء عربية وإجبار الكورد على استخدام اللغة العربية، كان المشروع جزءاً من نهج البعث في تعريب المناطق الكوردية إلا إن تلك الإجراءات بدلاً من القضاء على الوعي القومي الكوردي، ساهمت في تأجيج الحس القومي لدى الكورد مع إصرارهم على المطالبة بالإقرار بحقوقهم القومية العادلة والمشروعة.

مع اندلاع الثورة السورية عام ٢٠١١ كان للكورد مساهمة فاعلة في معارضة النظام البائد حتى سقوطه، ولكن يبدو أن حكم الأكثرية لا يختلف كثيراً عن سابقه في التعامل مع الشعب الكوردي وقضيته العادلة وبنفس الخطاب السابق الذي “يعتبر الكورد جزء أساسي من النسيج الوطني السوري” متبنياً خطاب إسلاموي عروبي إلى حد كبير واستبعاد الحركة الكوردية من المشاركة الفاعلة في رسم ملامح شكل الدولة الجديدة والابتعاد عن الحقوق القومية للشعب الكوردي والمكونات الأخرى تحت يافطة مساواة الجميع تحت سقف الوطن، وما إقصاء تمثيل الحركة السياسية الكوردية من مؤتمر الحوار الوطني إلا جزء من نهج مستمر لتهميش الكورد في سوريا، ولطالما أن الأطراف الفاعلة في سوريا الجديدة تستمر في تجاهل مطالب الكورد وحقوقهم فأن أي حل سياسي سيبقى ناقصاً ولن يتحقق الاستقرار الحقيقي في البلاد.

يبدو أن هناك اختلاف بالشعارات ولكن النتيجة واحدة فسواء كان النظام قومياً عروبياً أو إسلاموياً سياسياً فإن كليهما يعتمدان على الإقصاء والقمع بدلاً عن التعددية والاعتراف بحقوق جميع المكونات ولهذا فأن الحل في سوريا لا يمكن أن يكون عبر إعادة إنتاج أحد هذين النموذجين بعيداً عن الإيديولوجيات الإقصائية التي حكمت سوريا لعقود.

سوريا في ظل تنوعها القومي والطائفي بحاجة إلى نظام اتحادي ديمقراطي لا مركزي يعيد توزيع السلطة بشكل عادل ويضمن حقوق جميع المكونات، ويعتمد على الحوار والمصالحة الوطنية، فهذا النموذج لا يسعى فقط إلى توفير تمثيل سياسي متوازن بل يهدف أيضاً إلى بناء مجتمع يشارك فيه كل فرد في صناعة القرار مما يعزز من استقرار الدولة ويخلق بيئة تسمح بالنمو الاجتماعي والاقتصادي لجميع مكونات السورية بدون استثناء وبعيداً عن حكم الأقلية الأكثرية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي…

صديق شرنخي المانيا / بوخم ليست كل الزيارات السياسية متشابهة؛ فبعضها يندرج في إطار البروتوكول الدبلوماسي، وبعضها الآخر يتحول إلى محطة مفصلية تعكس تحولات أعمق من مجرد لقاءات رسمية. ومن هذا النوع تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، فهي ليست مجرد زيارة بين مسؤولين، بل يمكن قراءتها بوصفها أحد مؤشرات المرحلة الجديدة التي…

حسن قاسم أعتذر إلى محمود درويش، لا لأن قصيدته “سجّل أنا عربي” تفتقر إلى الجمال، فهي من روائع الشعر العربي الحديث، بل لأنني أختلف مع القراءة التاريخية التي قد توحي بها لدى البعض، حين تبدو العروبة وكأنها هوية أصيلة ومتجانسة لمعظم شعوب المنطقة منذ فجر التاريخ. في تقديري، لا ينبغي أن يتحول الشعر إلى مرجع للتاريخ، لأن التاريخ أكثر تعقيدًا…

محمود أوسو تشكل القضية الكردية واحدة من أكبر المفارقات في السياسة العربية المعاصرة. فمنطقياً، ووفقاً لمعادلة عدو عدوي صديقي، كان ينبغي أن يكون الكرد حلفاء طبيعيين للأنظمة العربية في مواجهة التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان. الواقع يؤكد ذلك: القوات الكردية كانت الحاجز البشري الذي أوقف مشروع الهلال الشيعي عند نهر الفرات، وهي القوة التي فككت بنية داعش عسكرياً…