قراءة في انسحاب المجلس الوطني الكوردي من الائتلاف السوري

د. محمود عباس
 
نقدرها ونعتبرها خطوة مهمة نحو الاستقلالية السياسية.
في خطوة طال انتظارها، أعلن المجلس الوطني الكوردي، في السابع من فبراير 2025، انسحابه الرسمي من الائتلاف الوطني السوري، الكيان الذي حمل اسم “الوطني” لكنه لم يكن يومًا كذلك، بل تحول إلى أداة طيعة بيد تركيا، تتحكم به مجموعة من السياسيين الذين جعلوا من القضية السورية ورقة مساومة لخدمة أجندات خارجية. هذه الخطوة، رغم تأخرها، تكتسب أهمية خاصة ليس فقط بسبب التهميش المستمر الذي تعرض له المجلس، بل لأن الائتلاف نفسه فقد ثقله السياسي مع تلاشي الدعم الدولي، حتى بات كيانًا يثير الشكوك حول شرعيته، بل وهناك حديث متزايد عن تحقيقات قد تطال بعض قياداته في ظل الشبهات التي تحوم حول أنشطته ومصادر تمويله.
لم يكن انسحاب المجلس مجرد موقف احتجاجي، بل هو تحرر من عبء سياسي لم يعد له أي جدوى، وخطوة أولى نحو إعادة تموضعه في المشهد السياسي الكوردي والسوري بشكل أكثر استقلالية. غير أن هذه الخطوة وحدها لا تكفي، إذ يتوجب على المجلس أن يضع رؤية استراتيجية جديدة تستند إلى إعادة بناء البيت الكوردي الداخلي، عبر تجاوز الانقسامات والخلافات الحزبية التي استنزفت القضية الكوردية لسنوات، وبدء مرحلة جديدة من التقارب الكوردي – الكوردي، ليس فقط كخيار تكتيكي، بل كضرورة وجودية تفرضها التطورات السياسية الإقليمية والدولية.
إن خلق بيئة مناسبة للحوار بين مختلف القوى الكوردية بات اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، حيث ينبغي تشكيل هيئات مشتركة تضم الأكاديميين والخبراء السياسيين لوضع خارطة طريق للحوار مع دمشق، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية التي لطالما لعبت دورًا في تفتيت الصف الكوردي وإضعاف موقفه التفاوضي. فالقضية الكوردية في سوريا لا يمكن أن تبقى رهينة للمشاريع الإقليمية أو الخلافات الحزبية الضيقة، بل يجب أن تتحول إلى مشروع وطني قائم على أسس واضحة تخدم حقوق الكورد في إطار حل سياسي شامل.
وفي هذا السياق، على الإدارة الذاتية الكوردية أيضًا أن تتحمل مسؤولياتها وتفتح الباب أمام حوار جاد مع مختلف القوى الكوردية، بعيدًا عن إرث الخلافات القديمة. فالتجارب السياسية تثبت أن النجاح لا يكون بالتمترس خلف المواقف المتصلبة، بل بالقدرة على تقديم حلول وسطى تضمن الحد الأدنى من التوافق، مع تجنب أي شروط تعجيزية قد تعرقل مسار التقارب. المطلوب اليوم هو إعادة ترتيب الأولويات، والتركيز على ما يمكن تحقيقه وفق الواقع السياسي القائم، بدلًا من التشبث بمطالب مثالية تفتح المجال أمام القوى المتربصة لاستغلال الخلافات الداخلية.
في خضم هذه التحولات، لا ينبغي التنازل عن مطلب الفيدرالية اللامركزية، الذي أصبح الخيار الأكثر واقعية لحل الأزمة السورية، خصوصًا في ظل التجارب الفاشلة للحكم المركزي، الذي لم يقد البلاد إلا إلى أزمات متكررة. هذا ما طرحناه باسم المجلس الوطني الكوردستاني من مقره في واشنطن عام 2006، أي قبل اندلاع الثورة السورية بخمس سنوات، مستمدين قوتنا من زخم الثورة الكوردية عام 2004، التي أعتبرها شرارة ثورات الربيع العربي، إذ اندلعت في فترة لم يكن يتجرأ فيها أي إنسان في الشرق الأوسط على مواجهة القوى الأمنية للأنظمة الشمولية.
في ذلك الوقت، قدمنا هذا المطلب، مستلهمين من تجربة الأشقاء في جنوب كوردستان، إلى الهيئات الدولية، حيث تم قبوله، بل ودعمه، وحصلنا كمجلس على تأييد دولي، وكان هذا الأساس الذي بُني عليه المجلس حينها.
ولو كانت الرؤية السياسية واضحة لدى الأطراف الحزبية الكوردية في غربي كوردستان آنذاك، لكان اليوم مجرد الاعتراض أو حتى النقاش حول هذا المطلب ضربًا من السذاجة، سواء في سوريا أو في المحافل الدولية. فقد لمسنا بوضوح من القوى الدولية أن الكورد في سوريا ليسوا مجرد طرف في المعادلة السياسية، بل هم قوة اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، وسياسية ذات امتداد وطني. وربما لم تكن هناك حاجة اليوم لإجراء حوارات حول تشكيل هيئات مشتركة، بل لكنا ضمن مجلس وطني واحد يجمع الجميع تحت مظلة موحدة.
ولو تحقق ذلك، لكانت مهمتنا اليوم إقناع الأشقاء العرب بأن الفيدرالية ليست حقًا كورديًا فحسب، بل هي نموذج حكم يخدم مختلف مكونات البلاد، ويضمن توزيعًا أكثر عدالة للسلطة والثروة، كما أنها ركيزة أساسية لبناء دولة ديمقراطية حديثة تقوم على مبادئ صحيح.
انسحاب المجلس الوطني الكوردي من الائتلاف السوري هو بلا شك خطوة إيجابية، لكنها لا ينبغي أن تكون النهاية، بل البداية لمسار سياسي جديد أكثر استقلالية ووضوحًا. السياسة ليست مجرد بيانات ومواقف، بل هي فن إدارة الممكنات وتحويلها إلى مكاسب استراتيجية. والمجلس الوطني الكوردي اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة التموضع في الساحة السياسية، شرط أن يمتلك الجرأة والرؤية لوضع مصلحة الشعب فوق الحسابات الفئوية والضغوط الخارجية، وأن يعمل على توحيد الصف الكوردي في مواجهة التحديات القادمة. فالتاريخ لا يرحم من يتردد في اللحظات المصيرية، والخيار اليوم بين الاستمرار في النهج القديم أو صناعة واقع سياسي جديد يستجيب لمتطلبات المرحلة.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
7/2/2025م

شارك المقال :

3 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…

أوجه شكري بداية إلى كل من أشرفوا على إدارة ” المؤتمر الأول لفيدراسيون الكتّاب الكوردستانيين في المهجر” الدياسبورا “في ” 25 تموز 2026 ” وممَّن حضروا المؤتمر من الزملاء الكتاب والمعنيين بقضية الثقافة ودورها الفاعل في بناء المجتمع، وتنوير قضيتهم للعالم، وأسهموا في دفع عجلته الثقافية إلى الأمام بنتائجه، وفي السياق، أوجّه شكري إلى اللجنة التي اختارت أسماء كتّابها الكرد…

د. فريد سعدون استقبل المحافظ وفد مربي النحل .. استقبل مدير المنطقة وفد تجار البوظة استقبل مدير الناحية وفد مزارعي البابونج.. استقبل عظيم الروم وفد رعاة البط وديوك الحبش ……… كنت أتمنى أن نقرأ : قام المحافظ بتدشين أوتستراد ديريك/ قامشلو/ الحسكة، وافتتاح مشفى الحسكة لأمراض السرطان. قام مدير المنطقة بتدشين محطة كهرباء قامشلي النووية. قام مدير الناحية بتدشين مصفاة…