سوريا و«تكويعة» أم كلثوم

مشاري الذايدي
مصطلح «تكويع» يُستخدم بكثرة هذه الأيام من طرف النشطاء السوريين المساندين للعهد الجديد، بعد هروب الأسد في جنح الظلام على طائرة روسية لمنفاه الروسي البارد.
معنى المصطلح: الانقلاب على المواقف القديمة، والمُراد الحديث عنه هنا هو «تكويع» بعض المشاهير السوريين، خاصة الفنّانين، من ممثّلين ومغنّين، والسخرية من مدحهم للجولاني والحكّام الجدد، وهجاء الآفل الهارب بشار الأسد، وأعوانه ونظامه.
الفنّانون السوريون، كما نعلم، انقسموا خلال العقد الماضي، أي بعد بداية الحرب الأهلية السورية، لثلاثة أقسام:
قسم مؤيد للنظام بحماسة ظاهرة، وقسم مناهض للنظام، بنفس الحماسة، وقسم ثالث شبه محايد.
في غمرة النشوة بسقوط نظام الأسد الخبيث، كثر اللغط واختلط الحابل بالنابل، وربما تضيع بعض الحقائق والحقوق، فنحن في مناخ عاطفي خطير جداً.
بمناسبة هذا اللغط عن التكويع والمكوعين من الفنّانين، أحبُّ أن أحكي لكم هذه الواقعة:
أم كلثوم، كوكب الشرق، ومحمد عبد الوهاب، موسيقار الأجيال، من أهمّ رموز مصر الفنية، لمع نجمهما أيام العهد الملكي، قبل وصول الضبّاط لحكم مصر والانقلاب على الملكية.
أم كلثوم أهدت أغنية «يا ليلة العيد آنستينا» للملك فاروق، وغنَّت له في عيد ميلاده «اجمعي يا مصر أزهار الأماني، يوم ميلاد المليك… واهتفي بعد تقديم التهاني، شعب مصر يفتديك».
بعد وصول الضباط للحكم، حاول بعضهم محاسبة أم كلثوم وعبد الوهاب، لأنهما من فناني العهد السابق «البائد» كما هي لغة تلك الحقبة.
لدينا، حول هذه الواقعة، رسالة دبلوماسية نادرة – سبق التنويه عنها هنا – مؤرّخة من الشهر الخامس بعد الذكرى الأولى لسيطرة الضباط على الحكم، في السنة السابقة، وهي 1952.
الشهادة التاريخية التالية هي من «محمد الطبيشي» قنصل السفارة السعودية بمصر:
وزارة الخارجية، وكالة المملكة العربية السعودية بمصر، العدد الأول، القاهرة، في 4 – 6 – 1953
«بسم الله الرحمن الرحيم. سيادة القائد العام للثورة المباركة الرئيس محمد نجيب حفظه الله، بعد موافقة جلالة الملك عبد العزيز على التدخل في هذا الموضوع، كلَّفني بطريقة غير رسمية إخباركم بهذا الموضوع القاسي جداً، الذي قد علمنا أنه سوف يُتخذ عليه قرار قريباً من مجلس قيادة الثورة، وهو مصادرة أموال الأستاذ محمد عبد الوهاب، والسيدة أم كلثوم، وتحديد الإقامة لهما، وذلك كما يقول التقرير إنهما كانا مقربين من العهد البائد.
لقد حضر عندي كل من الأستاذ محمد عبد الوهاب والسيدة أم كلثوم، وقالا هل كان لدينا أو لغيرنا اتخاذ قرار حرّ في ذلك الوقت، لقد كان يُفرض علينا الأمر فرضاً، ولم نكن نستطيع أن نرفض، إننا الآن قلباً وقالباً مع الثورة المباركة».
وسلامتكم… انتهت الحكاية.

===============

الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي…

صديق شرنخي المانيا / بوخم ليست كل الزيارات السياسية متشابهة؛ فبعضها يندرج في إطار البروتوكول الدبلوماسي، وبعضها الآخر يتحول إلى محطة مفصلية تعكس تحولات أعمق من مجرد لقاءات رسمية. ومن هذا النوع تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، فهي ليست مجرد زيارة بين مسؤولين، بل يمكن قراءتها بوصفها أحد مؤشرات المرحلة الجديدة التي…

حسن قاسم أعتذر إلى محمود درويش، لا لأن قصيدته “سجّل أنا عربي” تفتقر إلى الجمال، فهي من روائع الشعر العربي الحديث، بل لأنني أختلف مع القراءة التاريخية التي قد توحي بها لدى البعض، حين تبدو العروبة وكأنها هوية أصيلة ومتجانسة لمعظم شعوب المنطقة منذ فجر التاريخ. في تقديري، لا ينبغي أن يتحول الشعر إلى مرجع للتاريخ، لأن التاريخ أكثر تعقيدًا…

محمود أوسو تشكل القضية الكردية واحدة من أكبر المفارقات في السياسة العربية المعاصرة. فمنطقياً، ووفقاً لمعادلة عدو عدوي صديقي، كان ينبغي أن يكون الكرد حلفاء طبيعيين للأنظمة العربية في مواجهة التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان. الواقع يؤكد ذلك: القوات الكردية كانت الحاجز البشري الذي أوقف مشروع الهلال الشيعي عند نهر الفرات، وهي القوة التي فككت بنية داعش عسكرياً…