بافي ژيـن
إن الصراع الكردي- الكردي المرير, حول (الشّخْصَنة) والمفاهيم الفكرية, والطبقية, والتنظيمية المزعومة, والتي رُوِجَتْ لها ردحاً من الزمن, اُستنزِفَت الكثير من قوة الحركة وطاقاتها, ولم تكن بمستوى القوة, أو المشروعية, لتنثر الحركة على تخوم أكثر من عشرة فصائل سياسة, أدت إلى الاغتراب الجماعي بينها وبين الجماهير الكردية, حيث ظهرت قيادات هزيلة- فكراً وممارسة- لم ترتقِ إلى مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها, ساهمت وبشكل جليّ, في تكريس حالة الفرقة, والتشتت, والانقسام داخل البيت الكردي, وأدخلت القضية الكردية في متاهات معقدة, لن تستطيع الخروج من أنفاقها المظلمة بسهولة في المدى المنظور, وفي هذا الصدد يتداول في الشارع السياسي اليوم صراع محموم, يتعلق بعدد من الأفكار والرؤى؛ قد تفضي بنا إلى الخروج من مأزق الحركة, التي باتت تقلق الكرد من أقصاه إلى أقصاه وتهدد مصيرهم ومستقبلهم :
الرأي الأول: من المؤكد أن (القيادة في التنظيمات السياسية الكردية في سوريا) تتحمل القسط الأكبر من وزر الأزمة المتفاقمة وتقع على عاتقها المسؤولية المباشرة, ما آلت إليه الأمور من وهن, وضعف, وانقسام, في جسد الحركة, وبما أن الوضع القائم يريح أغلب المسؤولين في قمة الهرم السياسي والتنظيمي؛ فأن محاولات الضغط عليها, والتفاهم معها من أجل التراجع عن تعنتها في تصحيح المسار والتقارب الوحدوي, لا تجدي نفعاً بل تكون ضرباً من الخيال ومن المفيد في هذه الحالة تجاوز (الحركة السياسية الكردية) ودون أسف, لأنها فقدت مبررات وجودها على المستويين النضالي والجماهيري, وباتت تعيش مرحلة (الشيخوخة المتأخرة) والبدء بتشكيل نواة جديدة قوامها بعض المستقلين والكوادر المبعدة عن العمل التنظيمي والمخلصين من ساسة ومثقفي الكرد, للبحث في آليات عصرية ومبتكرة لتأسيس (تيار سياسي جديد) يمتلك رؤية واضحة ويتميز بخطاب سياسي (مُعقلَن ومتزن) يتوسط المسافة بين التطرف في الاتجاهين المغامر والمساوم؛ مهمتها الأساسية, السعي الحثيث لاستمالة الشارع السياسي الكردي العريض إلى جانبه والفوز برضا وثقة الشعب الكردي, الذي ضاق ذرعاً على مدى أكثر من خمسين عاماً من فشل الحركة السياسية في ملامسة ما قامت من أجلها .
الثاني: أن الحركة الكردية قد (شاخت وهَرمتْ) وفقدت قوتها ونشاطها, وباتت تفتقر إلى إيجاد آليات التواصل بين الجيلين, السابق واللاحق, وفي تأمين وتنويع أدوات النضال ومستلزماته, كي تساير حركة الواقع, وسيرورة التقدم العلمي والتقني, وتالياً الإسهام بفعالية في مقاربة الحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي في سوريا, وبما أ ن الحركة عاجزة عن القيام بمهامها النضالية؛ فهي إذاً تحتاج إلى عملية الهدم أولاً, ثم البناء على أنقاضها ثانياً, والاستفادة من قاعدتها التنظيمية وزخم تجاربها, في الاتجاهين السلبي والإيجابي .
الثالث: بما أن عمليتي الهدم والبناء في غاية الصعوبة, أن لم نقل في حكم المستحيل, لعدم وجود آلية ناجعة, تقنع القائمين على قرار (الحل والربط) داخل التنظيم, للموافقة على هذا المطلب من ناحية, ومن ناحية ثانية؛ قد يترتب على ذلك, آثاراً في غاية الخطورة, لا يمكن التنبؤ بتداعياتها الخطيرة في قادم الأيام, لذا يجب على الشخصيات والكتل والتيارات المتقاربة في الرؤى والمفاهيم, أن تبادر إلى تشكيل ما يسمى (لوبيات) داخل التنظيم وخارجه, للضغط على صانعي القرار في الفصائل السياسية, لدفعهم باتجاه تأمين مستلزمات تنظيم جماهيري, تتميز برؤية موضوعية وقدرة عالية على قراءة الواقع الكردي في سوريا, وبما يتلاءم والظروف الإقليمية والدولية .
رابعاً: ولا بد من الإشارة إلى رأي الشريحة المنضوية تحت راية الحركة الكردية (المتحزّبين) وإصرارها على مشروعية وجود الحركة وعدم انتفاء صلاحيتها ومبررات وجودها كما يدعي البعض, والمساس بها, أو النيل منها يلتقي مع مؤامرات دنيئة تحاك ضد الكرد وتستهدف وجودهم القومي في البلاد, ورغم فشل بعض التجارب الوحدوية بين أطراف الحركة؛ فأنها لا تزال تسعى وبجدية باتجاه تأطير نفسها, ضمن جوامع سياسية متفق عليها في سياق برنامج الحد الأدنى.






