مقومات الخطاب السياسي الكردي المعاصر في سوريا

صوت الأكراد *

باتت الرغبة في توحيد الخطاب السياسي الكردي في سوريا في ظل الأوضاع الراهنة مطلباً جماهيرياً وقومياً ملحاً ومهماً … ولكن الأهم من ذلك أمام الظروف والمستجدات التي تتجه نحو حدوث احتمالات تغيرية إيجابية في المنطقة ، هي نوعية هذا الخطاب والاهتمام البالغ به والعناية بأسلوبه ومساره المناسب السليم ، الرامي إلى تهيئة المستقبلين والمستمعين للرسالة الكردية الموجهة

 

ودور هذا الخطاب وتأثيره على الآخرين من الشعوب والقوميات والأطياف العرقية والأثنية والشرائح الاجتماعية الواسعة من أبناء الشعب السوري ، الذين لنا معهم تاريخ ومعتقدات مشتركة ومصالح متبادلة، وإقناعهم بأسلوب صحيح مقترن بقوة الأدلة الدامغة وبراعة الطرح بعدالة القضية الكردية ، وضرورة إيجاد حل ديمقراطي منصف لها .

وذلك من خلال فهم هذا الغير الذي نتعايش معاً عناصر خطابنا السياسي فهماً دقيقاً وإدراك مشاعره وطبيعة أفكاره ودرجة ثقافته وإمكانية استجابته لمقتضيات المصلحة المتبادلة في المرحلة الراهنة .
إن عرض القضية الكردية بأسلوب تخاطبي سليم وضمن إطار وطني وفق منهج موضوعي مقبول وقابل للتحقيق في المجال العلمي البعيد عن المغامرات والمنزلقات الخطرة التي لا طائل منها ، وتتوافق مع آمال وطموحات شعبنا وإمكانياته الذاتية وخصائص حركته السياسية وظروفها الموضوعية ، هي التي ستنال بلا شك تأييد وتعاطف أكبر قدر من الشرائح الاجتماعية والأوساط السياسية والثقافية والوطنية الديمقراطية ، والتي لها الدور الإيجابي في تحقيق حقوقنا القومية المشروعة .
إن التفاهم المتبادل مع الآخرين ومراعاة المصالح والقواسم المشتركة التي تجمعنا معهم في جبهة واحدة وخندق واحد واتباع دبلوماسية سياسية كردية مناسبة ومعتدلة وموزونة ، والابتعاد عن الرؤية السطحية والخطاب القومي المتزمت وتحديد الأهداف الرئيسية للحركة الكردية ، ووضوح مطاليبها وطموحاتها وأفكارها بموجب خطاب سياسي سليم في التراكيب ومرشد لكل الحقائق ، هي التي ستصبح الوسيلة الفعالة للوصول إلى ضمير وأحاسيس الغير ، وتحقيق الأهداف المنشودة بالوسائل المناسبة التي من شأنها توسيع دائرة المشاركة الجماعية ، والالتفاف حول طاولة مستديرة تجمع كافة الاتجاهات وتتخذ القرارات الصائبة ، والتي أضحت من سمات القرن الحالي وروح هذا العصر والمسار المنطقي للتخاطب المقبول بين حركتنا القومية والشعوب والحضارات والثقافات المختلفة .
إن الاختلاف بين أطراف الحركة الكردية في الطرح والتقييم في هذه الأجواء لا يمكن أن يشكل عيباً بقدر ما يكون تبني خطاب سياسي متوتر ورفع شعارات عاطفية دون توفر مستلزمات تحقيقها ، وتنم عن ضيق الأفق والانزواء في الفكر والثقافة وعن النزعة الأنانية والاستعلاء القومي أو من حالة ميؤوسة أو عن ضعف نجده في الآخرين وهماً ، هو العيب الكبير في الفكر والخطاب السياسي المعاصر والذي لا يمكن أن يكون أبداً تعبيراً عقلانياً وحضارياً منطلقاً من حركة قومية ووطنية معاصرة، بل سيكون دون أن يكون هناك أي مجال للريب ذات تأثير سلبي يؤدي إلى ضعف الخطاب السياسي وتزمته ، ويؤدي بالتالي إلى تدنٍ في المستوى العام نظرياً وعلمياً .
لهذا ولما تقدم ينبغي أن تكون الحركة الكردية في سوريا على دراية عالية من الحكمة والاتزان في تحملها المسؤولية القومية والوطنية الملقاة على عاتقها ، وعلى دراية كاملة بالظروف والتطورات الحاصلة واللاحقة في كافة المناحي والمستويات ، وتعمل بإخلاص وصدق وشفافية في سبيل توحيد خطابها السياسي وصياغته انطلاقاً من مواريث تاريخية حقيقية، بعيدة عن أسلوب الخطاب والحديث النمطي الذي لا يدرس بعناية مفاهيم الآخرين وأفكارهم ومصالح المجتمعات البشرية التي تتعايش معها وتوجه إليها خطابها السياسي.

وعليها بذل الجهود الفائقة من أجل تربية سياسية صحيحة وسليمة بين تنظيماتها المختلفة ، وتوعية الجماهير الكردية بإمكاناتها ومطاليبها ومدى الاستجابة لها في هذه الظروف والأوضاع وامتلاك الجرأة والمصداقية والوضوح والموضوعية في الطرح والطلب البعيد عن التضليل والتحجر والمساومة والانغلاق والتوتر الذي قد يحول الخطاب السياسي غير المدروس إلى قنبلة موقوتة تنثر شظاياها وآثارها من التوتر حال انفجارها في كافة الاتجاهات والأطراف ، وتؤدي بالنهاية إلى افتقاد الحركة الكردية لجميع التيارات السياسية والشرائح الاجتماعية والثقافية المؤيدة لعدالة قضيتها والساعية معها إلى حلها بالطرق السلمية والديمقراطية المناسبة ، والتي اكتسبتها الحركة نتيجة نضالها الوطني الطويل .

ختاماً ولتتمكن الحركة الكردية في سوريا إثبات جدارتها بأنها صاحبة قضية مصيرية عادلة تحسن الدفاع عنها بذكاء وعقلانية ومسؤولية ، عليها أن تدرك ما تدور حولها وما تريدها وتعي بأن ما تطرحها في ظل هذه الأجواء ستلاقي القبول في أذهان الآخرين ، وسوف تصل للنمو الذي تتمناها ..

إذ لم تعد عدالة القضية الكردية في هذا العصر هي وحدها العنصر المناسب والكفيل لإيصال الآمال والطموحات إلى حييز التحقيق بأمان واطمئنان ، بل غدت المعرفة الواعية بالزمان والمكان والظروف والمستجدات هي العنصر المقبول بالتفوق الإعلامي ، وقدرة الوصول إلى عقول الناس والتأثير الإيجابي على سلوك وسايكولوجيات المجتمعات ، لبلوغ الأهداف التي تناضل الحركة الوطنية الكردية من أجلها .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…