بعد أن حصل بطلنا جتو على حق الإقامة السياسية، صار يفيق من نومه في الصباح و ينظر إلى شكله في المرآة لدقائق طويلة قائلا.
أنا جتو البطل، السياسي، الذكي، أعرف كيف أن كل شيئ في هذه الحياة يمشي ويدور ولايبقى على حال، و بعد أن تزوجت القضية ووصلت لقمة الشهرة:.
ليلته كانت طويلة مع الرفاق والأصدقاء من حوله، فقد ناقش معهم القضايا السياسية و المستجدات على الساحة، و سرد لهم كيف أنه لا راحة له ولا طمأنينة لانشغاله بالأجتماعات والجلسات المهة.
أخبار اليوم لا تعجبه كثير، لأن أسمه غير مذكور و الأفظع من ذلك أن اسم حزبه أيضا غير مذكور: يقفل التلفزيون و الراديو معا و يلبس بسرعة، ليلحق موعد الدائرة.
يقف جتو في محطة الترام منتظرا، و يرن تليفونه الخليوي بين الحين والآخر.
< مموستا جتو: صباح الخير، عندي مشكلة مع دائرة الضمان الصحي و أحتاج لمساعدتك ونصائحك؟
< يا أخي، انسى هالشغلات البسيطة و فكر أكتر، عندنا أمور أهم من هيك شغلات، يعني اجتماع اليوم، لازم نشوف كيف أنو كل الآخرين يسمعونا و كيف نكسب رفاق الحزب ال؟؟؟؟؟
< بس مموستا هاي مشكلة مع دائرة الضمان ولازم: و بعدين في واحد جديد وصل، و بدو ورقة مصدقة من الحزب، و الجمعية وال؟
< تمام، أنا راح اتصل فيك بعدين، عندي هلا اجتماع مع ناس مهمين، و بعدين في مقابلة صحفية كمان معي، و راح اتصل فيك، و روح عند هادا الجديد و خبروا انا جاي.
يصل جتو إلى الدائرة، و لا يعجبه أن ينتظر مثل الآخرين، ولكن ما باليد حيلة، بعد حوالي 40 دقيقة يدخل على الموظف المختص، يسلم عليه و يصافحه بحرارة كما سلام السياسين.
يستغرب الموظف قليلا، لأن عندهم المصافحة لها عاداتها و تقاليدها، مثلا يصافح الأكبر عمرا دائما الأصغر عمرا و هكذا، ولكن لا يبالي الموظف و يقول لجتو، اعطني بطاقتك، الأسم والمواليد؟
جتو: بلغة متلكئة، نعم نعم أنا جتو ……..
الموظف: سيد جتو، أنت كنت تعمل و كنت مسجلا من قبل في لائحة العاملين، ولكنك تركت العمل لماذا؟
< لم أترك العمل، كان عندي فقط اجتماع مهم و لم اذهب ذلك اليوم إلى العمل، و أنتم الأوربيين لا تفهمون أبدا، أن الأجتماعات السياسية أهم بكثير من العمل:
< لن أطيل عليك يا سيد جتو و خير الكلام ما قل ودل، لنتكلم عن المشكلة اليوم؟
< بعد أن سجلت إجازة مرضية * كانت قصيرة جدا فقط ثلاثة أسابيع* لم ترسلوا لي إلى الآن راتبي الشهري؟
< يا سيد جتو: هذه المرة الرابعة لإجازاتك المرضية خلال سنة واحدة، هل يعقل هذا؟
< كانت عندي مشاكل عائلية و تحضيرات لمظاهرة سياسية، و ….
كل هذا يحتاج إلى وقت.
< سيد جتو، إن كانت لك شركة خاصة، هل تقبل بأن يكون عمالك مثلك و كل فترة و أخرى في إجازة مرضية و يتوقف العمل.
جتو يصمت قليلا.
< سيد جتو، انظر كيف الوضع، أن نجد لك عملا هذا ليس بالسهل.
< هلا راح اكون صريح معك يا سيدي و احكي لك كمان بالعامية، يعني تقبل أنا درست و بعدين حتى أصدقائي هون ينادوني بالمموستا والدكتور، و أنتو تبعتوني اشتغل حمال موبيليا و تعبيد الشوارع:
< سيد جتو أنا فاهمك، بس دراستك بالنسبة لسوق العمل النا قليلة هون، بعدين شوف كم دكتور و مهندس عندنا من بلدنا و بيشتغلوا كعمال و بياعين في شركات خاصة و يدوروا دايما على عمل.
< نحن الأجانب دايما، بتعاملونا مو متل الأوادم و العنصرية عندكم ما راح تنتهي.
< يا سيد جتو، المسألة موضوعية، و مو مسألة عنصرية، و بعدين على ما يبدو، يعني لا عندك علاقات مع السياسين عندنا و أصحاب القرار، يعني ما عندك واسطة.
< بس أنا بعرف كتير من السياسين والمهمين.
< نعم سيد جتو، هذا ممكن بس مع الأسف ما الهم حكي وقرار هون، بعدين مين تقصد من معارفك؟
< سكرتير حزبنا و مسؤولينا و أعضاء…..
< بس يا سيد جتو، هدولي مهمين هنيك ببلدكم و عندكم، بس هون ما الهم كلام و اتخاذ القرارات.
بعدين نحن في بلد ديمقراطي و كل انسان هون الو حقوقو والو واجباتو.
< يا سيدي، أنتو ما بتفهموني، أنا مناضل و والله حتى يعني اتزوجت القضية * صحيح ما صار لي زمان بس* بعدين يعني هنيك كانوا بيحكولنا، انو بس تصل لأوروبا، ما الك دعوة، هن بيتكفلوا بكل شي و الدولة هي اللي بتعطيك كل شي، وأنا حتى مستعد للشغل و ما في عندكم عروض عمل غير الحمالة وتعبيد الطرق و أعمال البناء.
< يا سيد جتو، أنك تشتغل هون، هدا مو منية منك، وكل انسان بدو يعيش لازم يشتغل، وين في هدايا ببلاش بالشوارع؟ بعدين حضرتك صاير لك فترة هلا بأوروبا و شايف بعينك كيف الناس بيشتغلوا، و هيك حكي متل ما قالولك مو صحيح أبد، في عندنا نظام التكافل الأجتماعي، بس تصور هذا متل طنجرة و بتتعبى هالطنجرة من رسوم الضرائب اللي بيدفعها كل العاملين والفلاحين وال……..، بعدين بيتوزع المبلغ اللي في الطنجرة، على المعوقين و دور العجزة و بيوت الشباب و النساء المطلقات اللي ما الهم مصدر آخر للعيش و كمان للاجئين اللي بيجوا على بلدنا، يعني أنت شفت بحالك، أكيد ساعدوك في المسكن و الطعام وال…..
حتى اليوم؟ يعني بالفصيح للمحتاجين ولفترة محدودة فقط.
< آخ يا سيدي، والله وجعتلي راسي، يعني بدك تعلمني كل شي هون، يلا أنا راح امشي، ما عندي وقت أكتر، عندي مواعيد مهمة، و هاي سجل اسمي من جديد، باحث عن عمل و هاي لبيت دعوتكم و اخدت من وقتي الثمين و اجيت لهون، دير بالك، لا تنسوا تدفعوا راتب إجازتي المرضية.
< أوكي سيد جتو، راح اعتبر انو انت فهمت حكي هالمرة و اذا لقينا لك عمل هالمرة، مافي مرض كل شهر و شهر، و راح نعتبر هالجلسة بمثابة انذار الك، و الا راح تنقطع كل المساعدات عنك، و هذا موعد جديد براس الشهر الجاي بتمر علينا، تمام؟
< تمام، بس أنتو عنصريين وراح اكتب عنكم في مجلات وجرائد حقوق الأنسان.
< اوكي سيد جتو، و لا تنسى فترة البطالة عندنا محددة بست شهور، و بعدين بينقطع عنك الراتب و نحولك لدائرة المساعدات الأجتماعية، و هي كمان فترة مؤقتة.
مع السلامة سيد جتو.
يخرج جتو من الدائرة، و هو يردد كلماته، يا أخي هدولى ما بيفهموا علي، و بيكرهوا الأجانت، أكيد راح أخلص منهم قريبا ، يعني أو أفتح شركة لحالي، أو أستنى عرض حزبنا، يعني اسمي راح يقترح قريبا لتسليم وزارة، وين طقمي وكرافاتتي، هاه لازم البسهم اليوم ؟
و راح اشوف هلا امشي أموري بالمصاري الموجودة في خزينة الحزب والجمعية، هدا بس دين و راح ارجعوا، يعني أنا بشتغل لهدا الحزب و لابد أنو الحزب كمان يكون مستعد لتقديم العون والمساعدة.
راح اعيد المصاري وارجعها مع استلامي أول راتب وزاري.
——
النمسا.






