مبادرة الهليلية وتخبط أحزابنا التقليدية

حسين عيسو

في مقالة لي بعنوان “حتى لا ينزلق الوطن الى الهاوية” بعد الانتفاضات التي عمت المنطقة , ذكرت في مقدمتها كيف أن سلطة الاستبداد أخطأت في السماح بانتشار الفضائيات والانترنت , دون أن تعي الى أنها حفرت قبرها بيديها , وكيف أنها تنبهت لذلك بعد فوات الأوان.

  ناقشتُ تلك المقدمة من ناحية كيف تطور العالم , بينما راوح الاستبداد في مكانه , يجتر ذكريات ماضيه الدموي , دون أن يشعر بالتغيرات التي حصلت في العالم من حولنا , فبقي تعامله مع الشعب السوري كما كان في ثمانينات القرن الماضي , حيث كانت الجريمة تبقى طي الكتمان لشهور , وإذا سمع بها العالم الخارجي فبعد شهور وبشكل ضبابي , بحيث يفلت الجاني من العقاب , عكس هذه الأيام حيث ينتقل الخبر من نفس المكان واللحظة الى أرجاء العالم الأربعة , ويتم التعرف على الضحية والجلاد بالصوت والصورة.
  كانت مقالتي تلك عن أخطاء أنظمة الاستبداد والقمع الذي كانت ومازالت تمارسه ضد شعوبها ,ولم أتطرق الى الأحزاب التي نشأت خلال ذاك القمع , وعانت منه , لكنها مارست نفس الأسلوب مع محازبيها وشبابها , وهنا لا أقصد الأحزاب الكردية فقط , وإنما مجموع الأحزاب السورية التي لم تعرف البناء المؤسساتي , ومع أن بعضها اختلفت أيديولوجيا , الا أنها تبنت نفس الأسلوب الشمولي “السوفييتي” والذي رحل منذ أعوام غير مأسوف عليه , بعد أن دمر بلدا أورثه مجموعات من الانتهازيين والمافيات والمليارديرية , نتيجة سياسة “من انتقد خان” أو من ليس معي فهو بالتأكيد ضدي , فاذا كان الحزب الشيوعي السوفييتي قد انتهى وانتهت معه الدولة السوفييتية الى غير رجعة , واذا كانت الأحزاب الدائرة في فلكها في أوربا الشرقية قد لحقت بها , فإننا في سوريا مازلنا نعاني من ذلك الإرث الثقيل , فالحزب الحاكم وأتباعه من أحزاب الجبهة !!! , وما يسمى أحزاب المعارضة كلها لم تتخلص من ذلك المرض العضال , وهذا ما بدا واضحا , رغم الهزال والترهل الذي تعانيه أحزابنا الكردية ورغم معاناتهم من الوصول الى رأي موحد حول المشاركة أو عدمها في انتفاضات الشباب الكرد ورغم أن البعض حاول ركوب الموجة والبعض بقي يطرح الفكرة ونقيضها في نفس الوقت , مثل أنهم مع ولكنهم لن يشاركوا , أو ليسوا مع , ثم شاركوا حين انتبهوا الى أن الشباب ماضون في احتجاجاتهم , ما أكد أن مشاركتهم من عدمها لا تأثير لها على حركة الشباب , لأن وجودهم في الساحة الكردية أقل كثيرا من أن يكون له تأثير في حركة الشباب اليوم .

لكل ذلك كانت مبادرة “الهليلية” أو ما أسموه “المبادرة الوطنية” كرد فعل أو إثبات وجود أمام السلطات الأمنية التي تتمتع بعلاقات متينة مع أغلبها سواء ليلا أو نهارا , ليثبتوا لهم أنهم ما زالوا يتحكمون في الشارع الكردي , ويستطيعون توجيهه الى حيث يشاءون , كما كانوا يفعلون قبل سنوات , فوقعوا في نفس خطأ السلطة , حيث لم يتنبهوا الى أن أولئك الشباب تقدموهم أشواطا , وأصبحوا على علم بدقائق أمور بعض تلك القيادات ورتبهم الخلبية , وأن ما كانت تردده  أمامهم في غابر الأيام باسم الكردايتي , لم تكن أكثر من شيكات دون رصيد , دفع الشباب ثمن تصديقهم لها بالوقوع في العديد من المطبات وما تلاها من معاناة في أقبية الأمن , ثم انقسامات حزبية , لم تخدم سوى جهات في السلطة , بينما تلك القيادات تأخذ الثمن , ثم تعود الى ترديد نفس الموال , دون أن يرف لها جفن , معتمدة في ذلك على عفوية الشباب وعنفوانهم وتصديقهم لكل ما يقال , واندفاعهم لفعل أي شيء دفاعا عن كرامتهم , التي حاول نظام الاستبداد هدرها بالقمع والاضطهاد …..

, لكن الخطأ الأكبر هو اعتقاد تلك القيادات أن شباب اليوم هم نفس من تم التلاعب بهم فيما مضى , باسم الكردايتي زورا وبهتانا , وانما لتحقيق مصالحهم الخاصة , وهذا ما جرى في “الهليلية” حيث اتفقت تلك “القيادات” فيما بينها على أن ترمى المبادرة في وجوه الحاضرين , ثم يذهب كل الى بيته , دون السماح بأي أسئلة للاستفسار , فقط كإثبات على استمرارية وجودهم على الساحة , لمن يرغب في معرفة ذلك ! , ولكن رفض الشباب لهذا الاستهتار , أدى بتلك القيادات الى محاولة تفسير ما لم يجرؤ أي منهم على تفسيره حتى لا ينكشف المستور أمام شباب عرفوا طريقهم جيدا , وتوصلوا الى نتيجة مفادها كم هي هزيلة تلك القيادات , وكم هم أقوياء بعنفوانهم وبعد نظرهم .

لقد كان ما جرى في الهليلية درسا أتمنى أن تأخذ تلك القيادات العبرة منه قبل فوات الأوان .

الحسكة في : 19 أيار 2011

Hussein.isso@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…