صالح كيلو نعسانماركس آراء في بناء المجتمعات البشرية وانهيارها، أختصرها وفق قراءتي له بالبنود
الثلاثة التالية :
فيؤثر هذا التطور على عقل البشر، ثم يرتفع مستوى الوعي، ووفق الوعي الجديد تتبدل
التركيبة الاجتماعية.
سقفها النهائي، حيث يمنعها جمودها العقائدي من الإتيان بأي جديد.
الفكري الذي تقوم عليه الروابط الاجتماعية لتلك البنية.
هذه المقولات بشكل جلي، تشكيل البنيات الاجتماعية، وتطورها بالتلازم مع تطور وسائل
الإنتاج، ويبين أن شروط استمرار تلك التشكيلات هي التجديد المتواصل، ويؤكد على
انهيارها بعد ظهور الخلل في بنائها الفكري، عندما تمتنع عن السير على التوازي مع
الأبوستومولوجيا (نظرية المعرفة)، وتتحول إلى الأيديولوجيا الدوغماتية (العقائدية)
الجامدة .
ماركس الفكري والسياسي كان عام 1848 أي عام كومونة باريس، وإصدار البيان
الشيوعي(المانافيستو)، من منطلق أن هذا التاريخ يحدد وصول وعيه إلى أقصى درجاته،
كإنسان ينتمي إلى عصر معين. وإذا نظرنا إلى فكر ماركس في سياقه التاريخي، نجد أن
تطور وسائل الإنتاج في ذلك الوقت، كان يعتمد على الدولاب البخاري، ويتم تحت عنوان
الحركة الميكانيكية، وبالنتيجة ووفق مقولاته السابقة فإنه كإنسان وهو ابن عصر معيّن
لتطور وسائل الإنتاج، لا يستطيع أن يكون متطورا بفكره لما بعد عنوان ذلك العصر
لتطور الحركة الميكانيكية، حتى إذا اعتبرنا تجاوزا باعتباره مفكراً وطليعياً
ومتقدما على عصره، انه يستطيع التكهن حتى نهاية عصر الدولاب بكل أشكاله، البخاري
والديزل والكهربائي. بعد ذلك وكتحصيل حاصل، سيتوقف تكهنه لأنه يعتمد على الوعي
المرتبط بتطور وسائل إنتاج عصر الحركة الميكانيكية. وبالتالي نحن مضطرون للتوقف إذا
حكمنا على ماركس وفق وجهة نظره في التطور لنقول: كان عليه كفكر، التجديد أو الرحيل
في نهاية عصر الحركة الميكانيكية، بعد سيطرة عصر الكهرومغناطيس كعنوان جديد لتطور
وسائل الإنتاج، أي بعد ظهور الأقمار الصناعية، وغزو الفضاء، وهيمنة أنظمة التحكم عن
بُعُد.
الأطراف، إعادة النظر في بنائها الفكري واختيار التجديد، أو انتظار التعفن
والانهيار. لقد خالفت الدولة السوفياتية المستندة على فكر ماركس قواعد التطور،
ورفضت أية محاولة للتجديد، بل وقفت في وجهها بالحديد والنار تحت ضغط هَيمَنَةُ
الأيديولوجيا. ورفضت تجديد نفسها بالاعتماد على الشروط الأبوستومولوجية التي وضعها
كارل ماركس. ثم انهارت فجأة لان بنائها الفكري قد تعفن، ولم يعد قادراً على تحمل
ثقل تلك الدوغماتية كما توقع ماركس.
نهج ستالين، أو أرنستو تشي غيفارا، أو الاثنين معاً تتجاهل كون تاريخ وفاة ستالين
هو عام 1954، وتاريخ مقتل غيفارا كان عام1967، وتاريخ انهيار الدولة السوفياتية هو
عام 1991، وان التجربة الشيوعية السوفياتية تركت وراءها في كل أنحاء العالم
ديكتاتوريات أغرقت شعوبها في الجوع والتخلف والموت البطيء، وغيرت المفاهيم النضالية
بتحويل الأحزاب الشيوعية كلها إلى جواسيس في خدمة المخابرات السوفياتية، تتجسس على
مواطنيها وأوطانها، وتدعم الديكتاتوريات والطُغَم العسكرية الفاشية. تلك الأحزاب
تتناسى أيضا الحالات التالية:
ورفيق نضاله الصحفي والمفكر الفرنسي ريجس دوبرييه ورقة نعيه، بمجموعة من الكتب
والروايات، وخاصةً كتاب ثورة ضمن الثورة، منتقداً النهج الدوغماتي الطوباوي في
الثورة المستمرة ضد الإمبريالية بدون تحديد الغاية والهدف الإنساني النبيل لها. هذا
النهج الذي أوصلهم إلى الإحباط والإفلاس ومقتل غيفارا، كنتيجة حتمية لسياسة
المغامرة، والاندفاع الانتحاري، واصفاً حرب الأنصار، أو حرب البؤر الثورية، أو حرب
العصابات أو الغويريلا كما تسمى بالانجليزية، التي خاضوا تجربتها في بوليفيا، بأن
هذا النوع من النضال الذي كان يرضي غرور جيل الشباب واندفاعهم وحماسهم وتهورهم لم
يَعُد مجدياً.
على أعواد المشانق وفي الساحات العامة، تحت ذريعة الثورة الثقافية، مدافعاً عن حكمه
المطلق، فشل ومات لتنبعث الصين عملاقاً اقتصاديا بعد ما تخلت عن ستالينية ماو
المقيتة.
المرتفع، بينما قريبه في كوريا الشمالية يعاني الفقر والجوع، وهو معرّض للإعدام إذا
لم يقلد طريقة الزعيم في حلاقة شعره، أو لمجرد السهو والإتيان بحركة يفسرها النظام،
بمخالفة تَنُمُ عن عدم تقديس القائد المنتمي إلى سلالة الديكتاتور كيم ايل سونغ
السيء الصيت.
إفقار وإذلال الشعب الكوبي لتَقّرَ بأن نظامها الشيوعي فشل فشلاً ذريعاً، وأن
الديماغوغيا التي مارستها تحت عنوان الانتصار على ديكتاتورية باتيستا كانت كذبة
كبيرة.
الستاليني، و الغيفاري في كل من سوريا وتركيا. فهي في سوريا ستالينية، بدليل أنها
تعتبر نفسها شرعية، وتنفي تلك الشرعية عن غيرها من الأحزاب المماثلة لها في الشكل
والمضمون، رافعةً شعار الشمولية كما كل الأحزاب التي لازالت ترى ضالتها في
الستالينية. وهي ديكتاتورية حيث أن الديموقراطية التي تمارسها، تشبه تماماً
ديموقراطية الأحزاب الشيوعية التي تهيئ الحلقات الدنيا قبل الانتخابات من أجل ضمان
نجاح قيادة الهرم الحزبي. تلك الشمولية والديكتاتورية، والأسلوب الستاليني في العمل
والتعامل بشكل عام، يؤدي بطريقة تلقائية إلى ردة فعل القواعد الدنيا، ومن ثم
الشرذمة، وابتعاد الطبقات المثقفة، وتوالي الانشقاقات، وازدياد اللامبالاة واليأس،
وبالتالي لجوء الشباب إلى الحلول المتطرفة، والتي هي إما الانضمام إلى المجموعات
الراديكالية، أو الهروب من الواقع والهجرة النهائية إلى بلدان اللجوء، فتفقد الحركة
السياسية ثقة الحد الأدنى، وتتحول إلى خصم للمجتمع، ومشجب لتعليق الذنوب التي
ارتكبتها والتي لم ترتكبها، لتجلس في قفص الاتهام، متحملةً أوزار انهيار البنية
الاجتماعية.
السياسة الكردية في سوريا منذ أيام الآبو عثمان صبري المناضل الوطني العنيد،
والديكتاتور العشائري النزيه، والذي كان يرفض كل قواعد الفكر السياسي، ويحصر الحزب
في نفسه اولاً وأخيراً، ويكافح كل تيار مثقف فيه.
الكردستاني، الذي تأسس في وقت كانت أساليب جيش تحرير الشعب التركي المصاب بمرض
الطفولة اليساري، مهيمنة على جيل الشباب في تركيا بما فيهم الشباب الأكراد، حيث
انتهى هذا الجيش في وقت قصير بعد قيامه بأعمال انتحارية في اسطنبول وغيرها.
العمال الكردستاني الغيفارية كمدرسة للكفاح المسلح، وحاول بكل الوسائل إثبات انه
قادر على حرب الأنصار، مقتدياً بتجربة غيفارا الوحيدة في بوليفيا لمدة أكثر من عشرة
سنوات، لكنه إعادة النظر في استراتيجيته، بعد اتفاق العديد من الجهات الدولية على
إخراج السيد عبدالله أوجلان من سوريا واعتقاله من قبل أجهزة الأمن التركية، بطريقة
دراماتيكية تنم عن اتفاق مسبق بين جهات عديدة بما في ذلك النظام السوري وأجهزته
الأمنية. بعد ذلك حافظ على معسكراته في جبال قنديل، ليقوم أحياناً ببعض الصدامات مع
الجيش التركي، بانتظار حل ما، لازال مرتبطاً بالمصلحة السياسية للدولة التركية وليس
بحق وإرادة الشعب الكردي في تركيا، التي تحتفظ بالسيد عبدالله أوجلان في السجن
السياسي كرهينة أبدية، منتظرة الحل وفق شروطها المجحفة بحق كرد تركيا.
العقلية الغيفارية العسكرية طاغية على النهج السياسي للعمال الكردستاني الذي رفع
شعارات كثيرة متبدلة بسرعة مذهلة، وصولاً إلى الإدارة الذاتية والأمة الديموقراطية
ذات الهوية الضبابية. السمة الواضحة لسياسته كانت السير المتواصل على حافة الهاوية
واتباع أسلوب المغامرة بحدها الأقصى، على مساحة كردستان كلها، منشغلاً بشحن عواطف
بسطاء الكرد، وماهب ودب من أصحاب المصالح الخاصة، لاستخدامهم ضد الكردي السياسي
المختلف بالديماغوغيا السياسية حيناً، وبالقوة العارية احياناً أخرى.
حافة الهاوية خلال ثلاثين سنة إلى تفتيت المجتمع الكردي وخاصة في سوريا، وانفجار
بنيان العائلة الكردية من الداخل، وضياع المفاهيم النضالية المعتمدة على الحد
الأدنى من العقلانية السياسية. وخلقت تياراً ايديولوجياً دوغماتياً متزمتاً، رافضاً
لكل ما هو مختلف.
سبقه إلى ذلك الحيّز التيارات الستالينية النهج والسلوك في سوريا. فبالرغم من
المحاولات المستميتة لتسجيل بعض الانتصارات العسكرية في الساحة السورية، وبالرغم من
التوفيق في الحصول على ثمانين نائباً في البرلمان التركي في ظروف خاصة قد لا تتكرر.
إلاّ أن سياسة حافة الهاوية دفعته إلى الضياع في نشوة الانتصار، فترك كوباني بلا
حماية، وكانت المذبحة. وقد تدفعه تلك السياسة المغامرة إلى ارتكاب الخطأ القاتل في
الساحة التركية، فتؤدي إلى ضياع أول انتصار برلماني ساحق كان ينتظره منذ أمد
بعيد.
وتركيا قد بدأت تتخلخل منذ ما قبل الحدث السوري، وكانت الفرصة مواتية أمامهما
للاستفادة إلى حد ما من ظروف الحدث. بالاتفاق اولاً ومحاولة التضافر من اجل الحفاظ
على المنطقة الكردية آمنة من البطش بها، والابتعاد عن ما تسمى بالثورة السورية ذات
التوجه الطائفي، ومنعها من الاقتراب من المنطقة الكردية، والعمل بعقلانية على
التواصل مع الفئات والأقليات السورية المعارضة للنهج الطائفي، لتشكيل جبهة ترفض ما
يحدث، وتعمل من اجلسوريا وطناً للجميع. لكن الصراع القديم ظل مستمراً، بدون
الاستفادة من الفرص التي كانت متاحة لهما كما كان متوقعاً مما أدى إلى بدء خلخلة
بنيتهما الفوقية أيضا، بالرغم من محاولات الترقيع المتواصلة.
أن أقول. أن الحركة الكردية في كل من سوريا وتركيا تعيش أزمة بنيوية عميقة، وقد
أوردت بعض الملاحظات النقدية كأمثلة على ذلك الواقع الغارق في فكر انتهت صلاحياته
منذ أمد بعيد، على ضوء ما توقعه كارل ماركس. على أمل أن تنتبه وتعيد النظر في
بنائها الفكري، وسلوكها السياسي ولكي لا تؤدي نظرتها الاستعلائية والشمولية، إلى
جرّ الشارع الكردي إلى متاهات صراع اللا جدوى، وضياع ما تبقى من جيل الشباب التائه
في دوامة بلا قرار. ومن اجل أن لا ترتكب المزيد من الأخطاء التي قد تكون قاتلة
للجميع.






