أكرم حسين
لا يمكن فهم القضية الكردية في سوريا بمعزل عن محيطها الكردستاني، كما لا يمكن حلّها بعيداً عن الواقع السوري الذي يعيش فيه الكرد ويخوضون نضالهم من أجل حقوقهم. فالكرد شعب له هويته القومية وتاريخه وحقوقه المشروعة، وقد وجد نفسه ضمن حدود دولة تشكّلت في ظل التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة في مطلع القرن العشرين ، ومن هنا، فإن التعامل مع القضية الكردية يحتاج إلى فهم العلاقة بين بُعديها القومي والوطني، من دون الفصل بينهما أو وضع أحدهما في مواجهة الآخر.
منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، واجهت الحركة الكردية تحدّيات كثيرة، بعضها ارتبط بسياسات الإنكار والحرمان من الحقوق التي مارستها الأنظمة المتعاقبة، وبعضها الآخر نجم عن خلافاتها الداخلية وضعف قدرتها على بناء موقف سياسي موحد. لكن من غير المنصف أن نربط تعثّر الحركة بعلاقاتها مع القوى الكردستانية وحدها، أو أن نعتبر الاستقلالية السياسية حلاً كافياً لكل مشكلاتها. فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير ، وتتعلق بغياب مشروع سياسي واضح وضعف المؤسسات، والانقسامات التي حالت دون تحويل سنوات النضال والتضحيات إلى مكاسب سياسية ودستورية ثابتة.
فالبُعد القومي هو ما يربط الكرد بتاريخهم وهويتهم المشتركة، ويُعزّز التضامن بين أجزاء كردستان، أما البُعد الوطني فيتعلق بواقع الكرد السوريين وحقوقهم داخل سوريا، وبالوسائل السياسية والقانونية التي يمكن من خلالها تحقيق هذه الحقوق ، ولا أرى أن هناك تعارضاً ضرورياً بين البُعدين. فالتمسك بالهوية والحقوق القومية لا يعني بالضرورة الدعوة إلى الانفصال أو تقسيم البلاد، كما أن العمل من أجل سوريا ديمقراطية لامركزية يجب أن لا يكون مبرراً لتأجيل الحقوق الكردية أو تجاهل خصوصية القضية الكردية تحت شعارات عامة عن المواطنة والعدالة والمساوة.
من هنا، أعتقد أن الحديث عن استقلالية القرار الكردي السوري يحتاج إلى شيء من التوضيح. فالاستقلالية مهمة وضرورية عندما تعني أن يمتلك الكرد السوريون حق تحديد أولوياتهم، واختيار ممثليهم، واتخاذ مواقف تنطلق من مصالحهم وظروفهم الفعلية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الشعار إلى دعوة لقطع الصلات مع العمق الكردستاني، أو إلى التشكيك في شرعية العلاقات مع القوى الكردية الأخرى، وكأن الحفاظ على خصوصية القرارالكردي السوري يقتضي التخلي عن كل ما يمكن أن يوفر للقضية الكردية سنداً سياسياً أو معنوياً.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه هنا هو: هل كانت القوى السورية التي واجهت نظام الأسد تعمل بمعزل عن الخارج؟ وهل استطاعت أي قوة سياسية أو عسكرية مؤثرة في المشهد السوري أن تعتمد على إمكاناتها الذاتية وحدها، من دون الاستفادة من علاقات سياسية أو دعم مالي أو عسكري أو دبلوماسي؟
الواقع يقول إن معظم القوى الفاعلة استفادت، بدرجات مختلفة، من علاقاتها الإقليمية والدولية ، ولم يكن وجود هذه العلاقات دليلاً على فقدان القرار الوطني، بل كان جزءاً من طبيعة الصراع السوري وتعقيداته. لذلك، فإن مطالبة الحركة الكردية وحدها بالاعتماد على نفسها والانكفاء عن محيطها، تحت عنوان الاستقلالية، تبدو مطالبة غير واقعية، تؤدي إلى إضعافها .
هذا لا يعني القبول بالتبعية أو تبرير تدخل الآخرين في القرار الكردي السوري. فهناك فرق واضح بين علاقة تفرض فيها جهة إرادتها على جهة أخرى، وعلاقة تقوم على التنسيق وتبادل المصالح ، ويمكن للدعم الكردستاني، سواء أكان سياسياً أم دبلوماسياً أم مادياّ أم معنوياً، أن يساعد في تقوية موقف الكرد السوريين -وهذا ما حصل ،- بشرط ألا يتحول إلى بديل عن إرادتهم أو عن مؤسساتهم السياسية.
الاستقلالية لا تعني قطع العلاقات، بل القدرة على إدارتها بما يخدم مصالح الكرد السوريين. وهي لا تتحقق بمجرد إعلان المواقف أو ترديد الشعارات، وإنما ببناء مؤسسات حقيقية تستطيع تحديد الأولويات، والتفاوض مع الأطراف المختلفة، والاستفادة من الدعم المتاح، مع الاحتفاظ بحق اتخاذ القرار بعيداً عن الإملاءات.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى مؤتمر 26 نيسان 2025، الذي انعقد في قامشلو وجمع قوى كردية سورية حول رؤية سياسية مشتركة، بوصفه خطوة تستحق التوقف عندها. فقد انعقد المؤتمر في ظل تفاعلات كردستانية ودولية، وأسهمت عوامل متعددة في تهيئة الظروف له ودعمه، من بينها دور قوى كردستانية وحضور ممثلين عن الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي المرحلة الحالية من تطور الاوضاع في سوريا ، لم يعد من المجدي أن تظل الحركة الكردية منشغلة بالخلافات الحزبية أو بالنقاشات التي لا تنتهي حول مفهوم الاستقلالية وعلاقتها بالعمق الكردستاني. بل المطلوب هو الانتقال إلى العمل على مشروع سياسي واضح يحدد ما الذي يريده الكرد السوريون، وكيف يمكن تحقيقه، وما الضمانات التي ينبغي أن يتضمنها أي حل سياسي لمستقبل البلاد.
في مقدمة هذه المطالب يأتي الاعتراف الدستوري بالكرد مكوّناً قوميّاً أصيلاً في سوريا، وضمان حقوقهم اللغوية والثقافية والسياسية، وإقرار نظام ديمقراطي يقوم على اللامركزية، وتأمين مشاركتهم العادلة في مؤسسات الدولة ، وهذه المطالب لا تتعارض مع وحدة سوريا، بل يمكن أن تشكل أساساً لبناء دولة يشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء فيها، ويتمتعون بحقوق متساوية من دون إنكار هوياتهم القومية أو الثقافية.
إن ما تحتاج إليه الحركة الكردية السورية اليوم هو أن تصبح قوة سياسية واضحة المعالم، قادرة على التعبير عن مصالح الكرد السوريين والتفاوض باسمهم، من دون أن تفقد صلتها بعمقها القومي ، وهذا لن يتحقق بمجرد إعلان الاستقلالية، كما لن يتحقق بالاعتماد على العلاقات الكردستانية وحدها. المطلوب هو بناء توازن حقيقي بين خصوصية الواقع السوري والانتماء القومي الكردي، بحيث يدعم كل منهما الآخر.
فالحركة التي تمتلك مؤسسات فاعلة، وقراراً مستقلاً، ورؤية واضحة لمستقبل الكرد في سوريا، ستكون أقدر على بناء علاقات متوازنة مع القوى الكردستانية ومع الأطراف السورية والإقليمية والدولية. أما الحركة التي تفتقر إلى مشروع جامع، فستظل عرضة للانقسام والتجاذبات، مهما رفعت من شعارات أو امتلكت من علاقات.
في النهاية، لا أرى أن الاستقلالية تعني العزلة، ولا أن الوطنية تقتضي التنازل عن الهوية القومية، كما أن التضامن الكردستاني لا يعني بالضرورة التبعية. فالمسألة اذاً ، تتعلق بكيفية الجمع بين هذه الأبعاد ضمن مشروع سياسي يخدم مصالح الكرد السوريين، ويحافظ على خصوصية قرارهم، ويستفيد في الوقت نفسه من عمقهم القومي وعلاقاتهم المختلفة.
فالكرد السوريون بحاجة إلى حركة سياسية تعرف ماذا تريد وتملك القدرة على الدفاع عنهم ، وتتعامل بواقعية مع محيطها من دون أن تتخلى عن حقوقها أو تترك قرارها للآخرين . أي الاختيار ليس بين البُعد القومي والبُعد الوطني، بل إيجاد صيغة متوازنة تجعل الكرد شركاء حقيقيين في تقرير مستقبل سوريا، بحيث تضمن الاعتراف بحقوقهم القومية والسياسية ضمن دولة تقوم على الديمقراطية والمساواة والشراكة.



