مقالات

حين يصبح إنهاء الأحزاب بديلاً عن إصلاحها… أسئلة من داخل الأزمة البنيوية

كمال بكر

كلما اشتدت أزمة الحركة الكردية السورية، وتراجعت قدرتها على الاستجابة للتحولات السياسية والوطنية، ارتفعت أصوات تدعو إلى تجاوز الأحزاب القائمة، وأحياناً إلى إنهاء دورها، والبحث عن بدائل أكثر استقلالاً وقدرة على التعبير عن تطلعات الكرد في سوريا. وتستند هذه الدعوات، في جانب منها، إلى خيبات متراكمة من الانقسام والتنافس الحزبي وضيق الأفق السياسي، وهي أسباب لا يمكن تجاهلها أو التقليل من أثرها.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل يعني إخفاق الأحزاب انتهاء الحاجة إلى العمل السياسي المنظم، أم أن الأزمة تستدعي مراجعة أعمق لتجربتها وثقافتها وآليات عملها؟ وهل يكفي أن نعلن تجاوز الأطر القائمة حتى تتوافر تلقائياً شروط بناء بديل قادر على حمل القضية الكردية والدفاع عن حقوقها في مرحلة شديدة التعقيد؟
لا تنبع أهمية هذه الأسئلة من الرغبة في الدفاع عن الأحزاب كما هي، أو التقليل من مسؤولياتها عما آلت إليه الأوضاع، بل من ضرورة التمييز بين نقد تجربة سياسية أخفقت في جوانب أساسية، وبين الاستنتاج بأن إنهاء دورها هو الطريق الوحيد لتجاوز أزمتها.
فالأحزاب ليست غاية في ذاتها، ولا تمتلك القضية الوطنية أو تحتكر حق التعبير عنها. فقيمتها ترتبط بقدرتها على تنظيم المجتمع سياسياً، وصياغة مطالبه، وتطوير أدوات نضاله السلمي، والمشاركة في بناء مشروع وطني يستجيب للتحولات. وعندما تتراجع هذه الوظائف، وتتحول المؤسسات إلى مساحات للتنافس على المواقع والنفوذ، يصبح النقد والمراجعة ضرورة لا تحتمل التأجيل.
غير أن الاعتراف بأزمة الأحزاب لا يعفينا من السؤال عما يمكن أن يحل محلها، وما إذا كانت البدائل المطروحة تمتلك فعلاً الشروط التي افتقدتها الأطر القائمة. فالتجربة السياسية لا تُقاس بنوايا أصحاب المبادرات وحدها، بل بقدرتها على بناء الثقة، واحترام الاختلاف، وإنتاج قرارات مشتركة، وتحمل المسؤولية عن نتائجها.
وقد عاد النقاش حول المرجعية السياسية الكردية إلى الواجهة في أيار 2026، مع الاجتماعات التشاورية التي دعت إليها أحزاب كردية سورية، وطرحت الحاجة إلى جسم سياسي مستقل يضم الأحزاب والفعاليات الاجتماعية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني، بعيداً عن المحاصصة والمناصفة. ويعكس هذا الطرح إدراكاً للحاجة إلى صيغة أوسع للعمل المشترك، لكنه ينقل النقاش من إعلان المبادئ إلى شروط نجاحها: كيف يمكن بناء إطار يحترم استقلال أعضائه، ولا يعيد إنتاج الخلافات التي أضعفت التجارب السابقة؟ وكيف يمكن ضمان أن يكون رفض المحاصصة ممارسة فعلية، لا مجرد إعلان سياسي؟ [1]
ولعل تجربة المجلس الوطني الكردي والهيئة الكردية العليا تقدم مدخلاً مهماً للتأمل في هذه المسألة. فقد أظهرت تجارب العمل المشترك أن توسيع الأطر السياسية وإشراك شخصيات مستقلة لا يضمنان بالضرورة استقلال القرار أو تجاوز الحسابات الحزبية.
ففي بعض الممارسات، لم تكن المشكلة في غياب المستقلين عن هذه الأطر، بل في الطريقة التي جرى بها التعامل مع استقلاليتهم. إذ قد يبحث كل طرف عن شخصيات يضمها إلى الإطار المشترك، لكنه لا يشعر بالاطمئنان إلى استقلال قرارها إلا عندما يتأكد من أن تصويتها لن يخرج عن موقفه. وعندها يصبح الاستقلال صفة في التكوين، لا ممارسة فعلية في اتخاذ القرار.
وإذا كانت هذه الملاحظة تثير سؤالاً حول ثقافة العمل المشترك، فإنها تثير سؤالاً آخر بشأن البدائل المقترحة اليوم: هل يكفي أن نجمع أكاديميين ومثقفين وأصحاب اختصاص وشخصيات سياسية مستقلة في إطار جديد، حتى نضمن اختلاف تجربته عن سابقاتها؟ أم أن الأمر يتطلب اتفاقاً مسبقاً على قواعد تحمي حرية الرأي، وتمنع إخضاع القرار المستقل للتوازنات الحزبية؟
فالاستقلال عن حزب لا يعني بالضرورة الاستقلال في التفكير، كما أن الخروج من حزب بسبب خلاف تنظيمي أو شخصي لا يمنح صاحبه تلقائياً صفة البديل الوطني. المعيار ليس الموقع الذي يقف فيه الشخص، بل قدرته على اتخاذ موقف مستقل، وقبول اختلاف الآخرين، ووضع المصلحة العامة فوق الحسابات الخاصة. وهذه الشروط لا تتحقق بمجرد تشكيل هيئة جديدة، بل تحتاج إلى ممارسة واختبار وثقة متبادلة.
ومن هنا، يصبح البحث عن المستفيد من فراغ سياسي كردي سؤالاً مشروعاً، شريطة ألا يتحول إلى اتهام مسبق أو افتراض لنوايا لا تسندها الأدلة. فالقضية الكردية في سوريا لا تتحرك بمعزل عن مصالح الأطراف السورية والإقليمية، ولا يمكن فهم مستقبلها من دون النظر إلى مواقف هذه الأطراف من شكل الدولة السورية، وحقوق الكرد، وطبيعة مشاركتهم في مؤسساتها، وحدود استقلال قرارهم السياسي.
وقد تختلف مصالح هذه الأطراف ومقارباتها؛ فبعضها قد يفضّل التعامل مع قوى محددة يسهل التفاوض معها، وبعضها قد يتحفظ على أي تنظيم سياسي يمتلك قاعدة اجتماعية أو يطرح مطالب وطنية تتجاوز الصيغ التي يقبل بها. لكن تحديد هذه المصالح لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة مشتركة لإنهاء الأحزاب الكردية أو إقصائها. فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى وثائق ومواقف معلنة ووقائع يمكن التحقق منها، لا إلى قراءة النيات انطلاقاً من المخاوف وحدها.
ومع ذلك، فإن غياب الدليل على وجود مخطط منسق لا يعني أن فراغ التمثيل السياسي مسألة بلا عواقب. فعندما تعجز القوى الكردية عن الاتفاق على رؤية مشتركة، أو تدخل المفاوضات متفرقة، أو تفقد الصلة الفاعلة بالمجتمع الذي يفترض أن تعبّر عن تطلعاته، تتسع المساحة أمام قوى أخرى لتحديد شكل التمثيل وحدوده، وفق مصالحها وأولوياتها. وقد يحدث ذلك من دون حاجة إلى اتفاق مسبق على إقصاء الأحزاب؛ إذ يكفي أحياناً استمرار الانقسام وعجز القوى المعنية عن تنظيم حضورها السياسي.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب نفسها. فليس من الواقعية أن ترفض مراجعة تجربتها بحجة أن الدعوات إلى تجاوزها قد تخدم مصالح أطراف أخرى. كما ليس من الحكمة أن نتعامل مع كل نقد للأحزاب بوصفه استهدافاً للقضية الكردية. فالنقد قد يأتي من داخل الحرص عليها، وقد يكشف جوانب من الخلل تحتاج إلى معالجة. وفي المقابل، فإن تحويل الإحباط المشروع من أداء الأحزاب إلى دعوة مفتوحة لإلغاء دورها، من دون تحديد البديل وشروط شرعيته وآليات مساءلته، قد يفضي إلى فراغ لا يضمن أحد أن تكون نتائجه أفضل.
إن القضية الكردية في سوريا تحتاج إلى تجديد في الرؤية والأدوات، وإلى انفتاح أوسع على الكفاءات المستقلة والطاقات الثقافية والأكاديمية والاجتماعية. لكن هذا التجديد لا ينبغي أن يُختزل في استبدال أسماء بأسماء، أو نقل التمثيل من إطار إلى آخر، فيما تبقى طريقة التفكير وإدارة الاختلاف واتخاذ القرار على حالها.
وربما يكون المدخل الأكثر واقعية هو بناء شراكة سياسية تتجاوز المحاصصة، وتتيح للمستقلين ممارسة استقلالهم فعلاً، وتلزم الأحزاب بمراجعة قراراتها ومواقفها، وتضع الجميع أمام قواعد واضحة للمشاركة والمساءلة. شراكة لا تمنح الأحزاب حصانة من النقد، ولا تفترض أن المستقلين يمتلكون، بحكم صفتهم، حلاً جاهزاً للأزمة، بل تتيح اختبار الأفكار والكفاءات في عمل مشترك قابل للتقييم والمراجعة.
فالمطلوب ليس الحفاظ على الأحزاب لمجرد أنها قائمة، ولا إنهاء دورها لمجرد أنها أخفقت، بل تحديد الوظائف التي ينبغي أن يؤديها العمل السياسي الوطني، والبحث عن الصيغ القادرة على تحقيقها. وقد تتطلب هذه المهمة إصلاح الأحزاب، أو إعادة تنظيم علاقاتها، أو تطوير صيغ العمل السياسي المشترك بما يتيح مشاركة أوسع وأكثر فاعلية، ويضمن استقلال الرأي، ووضوح المسؤوليات، والمساءلة، وفق ما تسمح به التجربة وما تثبته الممارسة.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كنا نحتاج إلى الأحزاب أو إلى بدائل عنها، بل ما إذا كنا قادرين على بناء حياة سياسية تحترم استقلال الرأي، وتقبل التعدد، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمنع احتكار القرار أياً كان الإطار الذي يتخذه.
فهل نريد تجاوز الأزمة البنيوية في الحركة الكردية السورية، أم أن الإحباط من الأحزاب القائمة قد يدفعنا إلى التخلي عن العمل السياسي المنظم قبل أن نحدد ما الذي يمكن أن يحل محله، وبأي شرعية، وبأي ضمانات لاستقلال القرار؟
ربما لا تكمن الخطوة الأولى في الإجابة السريعة عن هذا السؤال، بل في امتلاك الشجاعة لمناقشته بهدوء، والنظر إلى التجارب السابقة بوصفها ذاكرة للتعلم، لا مجرد سجل للإخفاقات. فالتجديد الذي لا يستفيد من الذاكرة قد يعيد إنتاج الأزمة بأسماء مختلفة، بينما لا يكتسب الإصلاح معناه الحقيقي إلا عندما يغيّر القواعد التي جعلت الخلل ممكناً.

 Bonn: 29.10.2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى