مقالات

لماذا لا تنتهي المواجهة مع إيران ولا تنفجر بالكامل؟

د. محمود عباس

تترقب العواصم والمحللون، وطهران نفسها، نتائج انتخابين، الإسرائيلي الذي يجري اليوم 27 أكتوبر، والأمريكي في 3 نوفمبر. لكن الانتظار هنا ليس سكوناً بل موقع تفاوضي. وما يجري ليس هدوءاً بل تموضع، ولفهمه نحتاج أن ننظر إلى الصراع كسباق بين ساعتين تعدّان تنازلياً، لا كحرب جبهات. فقد وصفته صحيفة الغارديان بأنه «حصار مزدوج» البحرية الأمريكية تحاصر إيران، وإيران تحاصر الخليج.
الساعة الأولى إيرانية. فقد هبطت صادراتها النفطية عبر هرمز من أكثر من مليوني برميل يومياً قبل الحرب إلى الصفر منذ سبتمبر، وتقدّر شركات الشحن أن عائدات النفط المشحون سابقاً قد تنضب بحلول منتصف ديسمبر، مع انكماش متوقع للاقتصاد بنسبة 7.6% هذا العام بحسب صندوق النقد. والساعة الثانية أمريكية: برنت لامس 110 دولارات، كما وازدادت أسعار الوقود في الداخل الأمريكي بمقدار الضعف تقريبا، والانتخابات النصفية على الأبواب، ولذلك أفادت تقارير بأن ترامب عارض استئناف الحرب قبل الانتخابات، وقال البيت الأبيض إن واشنطن لن تضرب إيران قبل النصفية.
تنتهي الحروب عادة حين تتقارب تقديرات الأطراف لكلفة الاستمرار وميزان القوة، وهذا لم يحدث بعد لأن كل طرف يرى الزمن حليفه. تراهن واشنطن وتل أبيب على أن الحصار سيُنهك طهران، وتراهن طهران على أن ألم الأسعار سيكون أثقل على خصومها منها. ويزيد الأمر تعقيداً ما تسميه نظرية المساومة «مشكلة الالتزام» فإيران تقول إنها تعرضت للهجوم ثلاث مرات بعد جولات تفاوض، فلا تثق بأن الاتفاق سيحميها، وتتحول المفاوضات إلى أداة ضغط لا مسار تسوية.
والمصالح غير متطابقة. فواشنطن أقرب إلى هدف قابل للقياس: تقييد النووي وفتح الملاحة وتجنب حرب مفتوحة. أما إسرائيل فتفيد مصادر بأن تغيير النظام، لا الاتفاق، هو أولويتها، وقد قال نتنياهو إنها مستعدة للتحرك باستقلال عن واشنطن إن لزم. غير أن ضربة منفردة تصطدم بقيد عملي، فالدفاع والملاحة بيد الأمريكيين، ما يمنح ترامب عملياً قدرة على كبح أي مغامرة. وإيران، من جهتها، ترى في العراق وليبيا أن التخلي عن أدوات الردع يغري بالضربة ولا يحمي منها، وهكذا قد يزيدها الضغط تمسكاً بالغموض بدل أن يدفعها للتنازل.
وفي قلب هذه المعادلة تقف الكويت. وكأن إيران تستعيد، بأدوات مختلفة وغايات مختلفة، منطق صدام حسين تجاه الكويت: ليس الضم المباشر، بل جعلها مفتاح النفوذ في شمال الخليج. وأرجّح أن الكويت هي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، وأن ذلك ليس مصادفة. فبحسب تقديرات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي حتى يوليو، تعرضت لنحو 1400 هجوم، وهي الثانية بعد الإمارات، لكنها الأكثر انكشافاً بالنسبة إلى مساحتها وعمقها الدفاعي وقدرتها على الاحتمال، إذ تجاور ساحة فصائل عراقية ترتبط بإيران عقائدياً وعملياتياً، وقد اتهمت خارجيتها صراحة إيران ووكلاءها من الفصائل والميليشيات الموالية لها بإطلاق المسيّرات على منشآتها الحيوية. وأتوقع أن طهران تقرأ فيها ثلاث فرص في آن واحد. الأولى: اختبار الحماية الأمريكية، فهي تستضيف نحو 13,500 جندي أمريكي، وإن تألمت بدا أن الحماية بلا جدوى، فتضغط العواصم على واشنطن لتسوية. الثانية: بناء عمق بري للحصار بأيدٍ غير إيرانية، فالفصائل تتيح تصعيداً يصعب نسبته مباشرة، وقد ظهر ذلك في أن الرد على هجمات المسيّرات على السعودية وقع على الفصائل، إذ شنت واشنطن والرياض هجمات على جماعات مدعومة من إيران في العراق لا على إيران نفسها. الثالثة: استثمار ملفات الخلاف العراقية الكويتية القديمة لتحويل الضغط من الاستهداف العسكري إلى ابتزاز سياسي طويل الأمد. وأخشى، كفرضية لا كمعلومة، أن يكون الهدف الأبعد إضعاف إرادة الكويت في استضافة القواعد، فإن انكسرت حلقتها تراخت المنظومة الدفاعية في الشمال كله. وقد يكون الاستهداف انتهازياً بسبب سهولة الهدف لا تخطيطاً استراتيجياً، لكن النتيجة العملية واحدة: الكويت هي الأكثر عرضة، وتستحق اهتماماً أكبر مما تناله.
من هذا الإطار أخرج بأربعة استنتاجات، وهي قراءة للحوافز.
الأول – من تنفد مواردها وتعرف أن خصمها مقيّد انتخابياً يكون حافزها الأقوى رفع الضغط الآن بأقل كلفة، وهذا ما يظهر، استُهدفت عشر ناقلات بين 28 سبتمبر و4 أكتوبر. لكن الهدف على الأرجح ليس الإغلاق الكامل، فهو غير ممكن مع الحماية الأمريكية، بل التحكم في الوتيرة، مرّ نحو 20.8 مليون برميل يوم 8 أكتوبر، ثم 2.9 مليون فقط يوم 11 أكتوبر. هذا التذبذب يوحي بمفتاح تخفيف تُثبت به إيران قدرتها على إرباك الأسعار دون ثمن الإغلاق التام. ويُقرأ التصعيد أيضاً كرد على نجاح الجهد الأمريكي في تمرير النفط عبر عمليات عبور بلا إشارات تعريف.
الثاني – الحرب تنتقل من الممر إلى بدائله. فإذا كان نحو 40% من صادرات النفط يتجاوز المضيق أصلاً، فإغلاقه وحده لا يكفي. ولذلك أرى في هجوم المسيّرات من العراق على خط أنابيب شرق-غرب السعودي، وصواريخ الحوثيين على السعودية، وتعطيل باب المندب، محاولة لإلغاء فكرة الالتفاف نفسها. وأرجّح أن تُستهدف بنى البدائل أكثر من المدن. وقطر الأكثر انكشافاً، لأن غازها المسال لا مخرج له غير هرمز، وقد بدأت تفاوض على شراء الغاز المسال الأمريكي. والتاريخ يذكّر بذلك، ففي «حرب الناقلات» في الثمانينيات بدأ استهداف السفن محدوداً، ثم جرّ الأساطيل الكبرى إلى المنطقة، وبقيت دول الممر الأكثر انكشافاً. ومصلحة دول الخليج اليوم معقّدة، لا تريد إيران منتصرة ولا نظاماً منهاراً تتدفق فوضاه إلى حدودها، ولذلك تتحرك بهدوء نحو الوساطة والتحوط، وتتقاطع معها بكين التي لا تريد إغلاق ممر تعتمد عليه في طاقتها.
الثالث – النافذة الأخطر هي بين 3 نوفمبر ومنتصف ديسمبر. فبعد الانتخابات يزول قيد واشنطن، وتقترب إيران من لحظة لا تملك فيها ما تخسره اقتصادياً. وهنا مفارقة، ضغط صُمّم لانتزاع التنازل قد يُسقط حافز ضبط النفس عند من يشعر بأنه محاصَر، فيقود إما إلى تنازل أو إلى تصعيد يائس. وهذه الفترة تتأثر أيضاً بنتيجة الانتخابات الإسرائيلية وبحسابات ما بعدها.
الرابع – الحصاران رهينتان متبادلتان، فقد تكون التسوية الواقعية مقايضة قبل أن تكون اتفاقاً نووياً، فتح المضيق مقابل رفع حصار الموانئ، وتأجيل الملف النووي لأنه لا يقبل المبادلة المتناظرة. وهذا يتسق مع أن طهران تريد أن تبدأ المحادثات باستعادة الأمن وتدفق النفط عبر المضيق. وفي المقابل أتوقع أن تسعى إلى تحويل نفوذها المؤقت إلى وضع دائم، فقد ورد أنها أكدت سيادتها على المضيق وشكّلت «هيئة» لإدارته، وما يُنتزع بصيغة إدارية يبقى بعد انتهاء الأزمة.
الجميع ينتظر الانتخابات، لكن الانتظار نفسه أداة، فمن ينتظر يختبر خصمه ويرفع الكلفة ويؤجل التنازل. والخطر الأكبر ليس قراراً مخططاً بالحرب، بل سوء تقدير في لحظة يظن فيها كل طرف أن خصمه سيتراجع أولاً. وفي كل الاحتمالات يبقى الخليج الأكثر عرضة لدفع الكلفة، لأنه يملك مفتاح الكبح وهو أيضاً الجبهة الأكثر انكشافاً.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
27/10/2026 م

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

كيف يتفكك المجتمع وينهدم؟

حسن قاسم حين تتراجع الأخلاق، ويتخلف التعليم، ويُستغل الدين، تضيع البوصلة لا تنهار المجتمعات بالضرورة بسبب الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل قد…