أثارت التعديلات على الكتب المدرسية السورية للعام الدراسي 2026-2027 جدلاً واسعاً، بعد تداول مقارنات تظهر تغييرات في الصور والرسومات، مثل إضافة الحجاب أو الجلباب إلى شخصيات نسائية، وحذف أو تغطية تماثيل ومنحوتات (كتمثال الكاتب المصري القديم)، وإزالة لوحات فنية مثل الموناليزا، فضلاً عن تعديلات في المحتوى.
وزارة التربية والتعليم أكدت في بيان رسمي (26 تشرين الأول/أكتوبر 2026) أن التعديل الوحيد منذ سقوط النظام السابق كان في مطلع 2025، ويشمل حذف رموز النظام البائد ومضامينه الأيديولوجية، وتصحيح الصور والمحتوى (خاصة في الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية بعد توحيدها)، بهدف عكس تنوع المجتمع السوري. الكتب الحالية تعتمد على “منهاج دمشق” الموحد.
تقارير مستقلة، أبرزها دراسة معهد IMPACT-se (تشرين الأول 2026) التي حللت 130 كتاباً للصفوف 1-12، تشير إلى تحول أوسع: استبدال السردية البعثية القومية العربية برؤية إسلاموية تركز على الهوية السنية والأمة الإسلامية، مع تمجيد الجهاد والاستشهاد في بعض الدروس، وتقليل حضور الأقليات، وتعديل صور النساء نحو لباس أكثر تحفظاً، وإزالة أو تعديل محتوى علمي كنظرية التطور.
التأثير على وعي ونفسية الطالب
المناهج ليست مجرد معلومات؛ هي أداة تشكل الهوية والقيم في مرحلة الطفولة والمراهقة. التغييرات البصرية (إضافة الحجاب، إزالة الأعمال الفنية) ترسل رسالة ضمنية عن “المقبول” اجتماعياً ودينياً، قد تعزز لدى الطلاب شعوراً بأن التنوع الثقافي أو التعبير الفني أقل قيمة، أو أن الدور الاجتماعي للمرأة مقيد بمظهر معين.
من الناحية النفسية، قد يؤدي التركيز على مضامين دينية أقوى (حسب التقارير) إلى تعزيز الشعور بالانتماء إلى “الأمة” على حساب الهوية الوطنية الجامعة، أو توليد توتر داخلي لدى أطفال الأقليات أو العائلات الأكثر انفتاحاً. حذف دروس المواطنة والمشاركة الديمقراطية والإدارة المحلية (كما رُصد في بعض الكتب) يقلل من فرص تنمية التفكير النقدي والمواطنة النشطة. على المدى الطويل، قد يُنتج جيلاً أكثر تجانساً أيديولوجياً، لكنه أقل استعداداً للتعايش مع الاختلاف أو التعامل مع تحديات مجتمع متعدد.
في المقابل، يرى مؤيدو التعديلات أنها تحرر الطلاب من دعاية النظام السابق، وتعيد ربط التعليم بقيم المجتمع الحقيقية بعد عقود من التزييف.
التأثير على مستقبل سوريا
التعليم هو أحد أعمدة بناء الدولة بعد الصراع. إذا استمرت المناهج في اتجاه إسلامي أحادي، فقد يُعمق الانقسامات بدل إصلاحها، ويُضعف القدرة على جذب الكفاءات أو الاستثمار الدولي، ويعقد عملية المصالحة الوطنية. سوريا تحتاج إلى جيل قادر على إعادة الإعمار والتعددية، لا إلى سردية تستبدل دكتاتورية بأخرى محتملة. التقارير تشير إلى أن التحول الأيديولوجي في المناهج يعكس أولويات الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، وقد يؤثر على شكل الدولة على المدى الطويل.
هل تتجه الحكومة الحالية من دكتاتورية إلى إسلامية متطرفة وحيدة الاتجاه؟
لا يمكن الجزم بـ”نعم” مطلقة. الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع تعهدت مراراً بتشكيل حكومة شاملة تعبر عن تنوع سوريا، وإجراء انتخابات، وحماية جميع المكونات. هناك خطوات عملية مثل توحيد المناهج وإزالة رموز الأسد.
لكن المؤشرات على الأرض والمناهج تثير مخاوف مشروعة: خلفية هيئة تحرير الشام الإسلامية، التركيز على الهوية السنية في التعليم، تهميش بعض الأقليات في الكتب، وأحداث عنف طالت علويين ودروزاً ومسيحيين في فترات سابقة (حسب تقارير حقوقية). التحول من دكتاتورية بعثية علمانية إلى نظام ذي طابع إسلامي سني واضح موجود، لكن وصفه بـ”متطرف وحيد الاتجاه” يعتمد على تطور الأحداث. حتى الآن، تتحدث السلطات عن المواطنة والتنوع، بينما تنتقد منظمات مستقلة الاتجاه العملي في المناهج والسياسات. المستقبل مفتوح ويتوقف على مدى الالتزام بالوعود مقابل الضغوط الداخلية والخارجية.
مصير الأقليات المسلمة وغير المسلمة
الأقليات (علويون، دروز، مسيحيون، أكراد مسلمين و ايزيديين، إسماعيليون، وغيرهم) تواجه وضعاً هشاً. الحكومة تؤكد حماية الجميع وترفض التدخل الخارجي. لكن تقارير حقوقية توثق حوادث عنف وقتل واختطاف استهدفت علويين (مجازر الساحل)، ودروزاً، ومسيحيين (هجمات على كنائس)، مع استمرار مخاوف من الإقصاء السياسي والأمني.
في المناهج، يُهمَّش حضور الأكراد والدروز والتركمان، ويُقدَّم المسيحيون أحياناً في سياق ثانوي. العلويون مرتبطون بالنظام السابق في الوعي العام، مما يزيد الضغط عليهم. المصير يعتمد على:
– قدرة الحكومة على فرض سيطرة مركزية تمنع الميليشيات المحلية.
– إشراك حقيقي في السلطة والمؤسسات.
– ضمانات دستورية وحقوقية.
بدون ذلك، قد يستمر النزوح أو التوترات المحلية، مما يهدد استقرار البلاد ككل. الأقليات مثل الإسماعيليين و الدروز قد يجدون مساحة أكبر نسبياً من غير المسلمين، لكن التجربة التاريخية في المنطقة تظهر أن التحول الأيديولوجي السريع غالباً ما يضغط على الجميع.
في الختام، تعديلات المناهج ليست تفصيلاً فنياً؛ هي مرآة لاتجاه سوريا الجديدة. التأثير على الطلاب سيظهر بعد سنوات، أما مستقبل البلاد فيعتمد على ما إذا كانت السلطة ستختار بناء دولة مواطنة حقيقية أم إعادة إنتاج الهيمنة بأدوات جديدة. الشفافية في المناهج، والحوار الوطني الحقيقي، وحماية الجميع، هي الضمانات الأساسية لأي مستقبل مستقر.
السويد 2026/10/27



