عبدالباقي طاهر
في الحادي عشر من أيلول 1961، أعلن الزعيم الخالد مصطفى بارزاني من قمم بارزان ثورةً غيّرت تاريخ الكورد. وفي الخامس والعشرين من أيلول 2017، خرج الملايين إلى صناديق الاقتراع ليؤكدوا أن كوردستان تستحق الاستقلال. وفي الحادي والعشرين من أيلول 2026، أعلن الرئيس نيجيرفان بارزاني اكتمال توحيد البيشمركة تحت مظلة وزارة البيشمركة. ثلاثة أحداث تفصلها عقود، لكنها تنتظم في خيط واحد: مسيرة شعب لم يتوقف عن النضال من أجل حريته وكرامته. وما يجمعها ليس فقط تزامنها في شهر أيلول، بل ركائز المدرسة البارزانية الثلاث: الإيمان بالله، وحب الوطن، والتعايش السلمي.
لم يكن قرار المواجهة في قلب البارزاني الخالد مفاجئاً، بل نتاج تراكم نقض العهود. فبعد ثورة 14 تموز 1958، نشأ أمل لدى الشعب الكوردي بالشراكة والاعتراف بالحقوق القومية، وعاد الزعيم مصطفى بارزاني إلى العراق وأُجيز الحزب الديمقراطي الكوردستاني. لكن عبد الكريم قاسم تنصّل عن وعوده، فاضطرت القيادة إلى اللجوء إلى الجبال وإعلان الثورة في 11 أيلول 1961.
لم تكن مجرد نضال مسلح، بل «قيامة شعب رفض أن يُدفن حياً تحت ركام الظلم». رفعت شعار «الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان»، ما جعل الثورة تحمل بعداً يتجاوز المطالب القومية الضيقة. ذابت الخلافات العشائرية والطبقية تحت راية البيشمركة؛ إذ تحول الفلاح والأكاديمي والشاعر إلى رفاق سلاح يقتسمون كسرة الخبز اليابسة وحلم الحرية الأسمى. وبأسلحة بسيطة أرغمت الإرادة الصلبة السلطات على التفاوض، وكان أبرز ثمارها اتفاقية 11 آذار 1970 كأول اعتراف رسمي مكتوب بالحقوق المشروعة لشعب كوردستان، والأساس الدستوري الذي قام عليه الكيان الفيدرالي لاحقاً. وفي 20 أيار 1962 ترك الرئيس مسعود بارزاني دراسته المتوسطة والتحق بالثورة كأصغر بيشمركة، ليقضي شبابه في سبيل تحقيق الهدف الذي وضعته قيادة الحركة: الحكم الذاتي، ثم الفيدرالية في عراق ديمقراطي موحد، وسجل إنجازات بطولية مشهودة. ولم يقتصر أثر ثورة أيلول على كوردستان العراق، بل امتد ليشمل سائر أجزاء كوردستان، حتى أصبحت مصدر قوة وإلهام للنضال التحرري الكوردي، والمظلة الأم والأساس المتين للمكاسب الدستورية والسياسية التي يرفل بها إقليم كوردستان.
بعد عقود من النضال، جاء استفتاء 25 أيلول 2017 ليكون لحظة مفصلية، حيث قرر الرئيس مسعود بارزاني المضي في تقرير المصير رغم التحذيرات والتهديدات العراقية والإقليمية والدولية. لم يكن القرار ارتجالاً، بل تتويجاً لمسيرة طويلة من المطالبة بالحقوق المشروعة التي كفلها دستور عام 2005. صوّت 92.73% بـ«نعم» لصالح الاستقلال، وكانت نسبة المشاركة 72.16%، وهي المرة الأولى في تاريخ المشرق التي يعبّر فيها قطاع من الكورد عن حقه القومي في تقرير مصيره.
لم يكن الاستفتاء رغبة سياسية، بل تعبيراً عن إرادة شعب عاش قروناً من التهميش والإنكار. ورغم العواقب المتمثلة في إغلاق المطارات وخسارة المناطق المتنازع عليها، بقي مكسباً وعلامة فارقة في التاريخ الكوردي، ووثيقة خالدة تعبر عن إرادة الكورد في الاستقلال، وتعلن للعالم أنهم شعب يريد دولة. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن عقيدة بارزان لم تكن خطاباً نظرياً، بل شكّلت صمام أمان في مواجهة الانكسارات ومحاولات التمزيق، إذ بقي الرئيس مسعود بارزاني ملتزماً بمبادئ الحوار والانفتاح، مؤكداً أن الحلول لا يمكن أن تكون عسكرية أو إقصائية.
ثم جاء الإنجاز الثالث بعد خمسة وستين عاماً من ثورة أيلول، وبعد تسع سنوات من الاستفتاء، بإعلان توحيد قوات البيشمركة تحت قيادة وزارة شؤون البيشمركة في 21 أيلول 2026.
والبيشمركة ليست مجرد قوة عسكرية، بل منظومة دفاع قومية تمتد جذورها إلى حرّاس الحدود القبليين في أواخر القرن التاسع عشر، وتبلورت بوضوح مع ثورة أيلول في 11 أيلول 1961 بقيادة الزعيم الخالد مصطفى بارزاني، لتكون قوة منظمة ذات مشروع سياسي. وقد خاضت معارك مصيرية ضد النظام البعثي، وصمدت في الأنفال والقصف الكيمياوي، وشاركت في انتفاضة عام 1991، ثم واجهت داعش بعد عام 2014.
غير أن الانقسام ظل جرحاً نازفاً منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، إذ تشكلت «الوحدة 80» للحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل ودهوك، و«الوحدة 70» للاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية. وواجهت مساعي التوحيد معوقات سياسية وأمنية عميقة، منها ارتباط التشكيلات بالأحزاب، وغياب الثقة المتبادلة، وحسابات المصالح الضيقة.
وفي عام 2016، انطلقت عملية الإصلاح في وزارة شؤون البيشمركة بتوجيه من الرئيس مسعود بارزاني. ثم جاء توقيع مذكرة تفاهم مع البنتاغون في 21 أيلول 2022 لدعم الإصلاح المؤسسي، فكانت نقطة تحول في مسار التوحيد. وبعد سنوات من العمل، اكتمل التوحيد، وأُدرجت التشكيلات ضمن هيكلية حديثة وموحدة تتبع الوزارة في العمليات والتدريب والقيادة والسيطرة والإعلام والإدارة المالية. وهكذا أصبح الحلم الذي ناضلت من أجله الأجيال وقدّم الشهداء أرواحهم واقعاً، ولم تعد البيشمركة قوة حزبية، بل قوة وطنية لحماية كوردستان.
يربط هذه المحطات منطق المدرسة البارزانية الجامع بين القيم الصوفية المحرِّرة للنفس من الأنا، والإرث الثوري المجسِّد للتضحيات ودماء الشهداء عبر الأجيال، لا كأيديولوجيا حزبية بل كمشروع متكامل لبناء الأمة. وعلاقتها تفاعلية لا خطية؛ فثورة أيلول لم تكن ممكنة لولا تراكمات نضال البارزاني في الثلاثينيات والأربعينيات، والاستفتاء لم يكن ممكناً لولا المكاسب الدستورية التي تحققت بعد 2003 والتي كانت بدورها ثمرة ثورة أيلول واتفاقية آذار، وتوحيد البيشمركة لم يكن ممكناً لولا النضج السياسي الذي بلغته القيادة بعد تجربة الاستفتاء. كانت ثورة أيلول المنطلق حين أعلن البارزاني الأب أن الكورد شعب له حقوق لا تسقط بالتقادم، وكانت اتفاقية 11 آذار الأساس الدستوري وأول اعتراف بالحقوق القومية، وجاء استفتاء 2017 تتويجاً ديمقراطياً، وكان توحيد البيشمركة الضمانة العملية: مؤسسة دفاعية واحدة تحمي المنجزات. وهنا تكمن الحكمة البارزانية: النضال مشروع استراتيجي طويل النفس لا سلسلة ردود أفعال؛ والرئيس مسعود بارزاني، المتشبع بثوابت مدرسة بارزان، لم يكن قائداً في المحطات فقط، بل حامل المشروع من جيل الثورة إلى جيل البناء.
حيث قال بالذكرى 65 لثورة أيلول إن الثورة انبثقت من إرادة الفرد الكوردستاني وكرامته وثقته بنفسه، وشكّلت أساساً صلباً لمواصلة النضال ضد الظلم والاضطهاد. تختصر هذه الكلمات المدرسة البارزانية: الكرامة الفردية أساس النضال الجماعي، والقدرة على التكيف دون التخلي عن الثوابت. فحين تعذّر الاستقلال بعد الاستفتاء لم تنهَر القيادة بل انتقلت إلى البناء المؤسسي، وحين تعذّر توحيد البيشمركة لعقود لم تتخلَّ عن الهدف حتى أنجزته. كل أيلول يعود الكورد إلى ذكرى الثورة ليستمدوا القوة، لكن الأيلول يتجدد: أيلول 1961 ثورة السلاح، وأيلول 2017 ثورة الصندوق، وأيلول 2026 ثورة المؤسسة. لا تتنافس المناسبات على الذاكرة الكوردية بل تتراكم لتشكّل هوية أمة لم تستسلم؛ فمنحت الثورة الشرعية النضالية، ومنح الاستفتاء الشرعية الديمقراطية، ويمنح توحيد البيشمركة الشرعية المؤسسية. وإذا أثبتت الثورة قدرة الكورد على المقاومة، وأثبت الاستفتاء قدرتهم على الحلم، أثبت توحيد البيشمركة قدرتهم على البناء. وتلك رسالة المدرسة البارزانية: أن النضال لا ينتهي بانتصار واحد، بل يستمر في كل جيل بأدواته وبالهدف نفسه: كوردستان حرة كريمة.





