مقالات

أين كنتم…؟ حين تنتهك حقوق الشعب الكوردي

المحامي عبدالرحمن محمد

لا قيمة للمناصب والألقاب والرتب الشكلية، سواء كانت برلمانية أو عسكرية أو أمنية أو إدارية، ما لم تتحول إلى أدوات فاعلة للدفاع عن حقوق الشعب الكوردي، وحماية وجوده وهويته القومية والوطنية، وفي مقدمة تلك الحقوق ضمان العودة الآمنة والكريمة للنازحين واللاجئين إلى ديارهم ومنازلهم الأصلية.

فالمناصب ليست غاية بحد ذاتها، ولا ينبغي أن تكون وسيلة لتحقيق المكاسب والامتيازات الشخصية والحزبية الضيقة، بل مسؤولية وطنية وقومية تستوجب ترجمتها إلى مواقف سياسية واضحة، وإجراءات قانونية مؤثرة، وبرامج عمل جادة تضمن الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية، وفق مبادئ العدالة الانتقالية وسيادة القانون.

إن الجرأة والشجاعة في الدفاع عن الحقوق، والعمل على تحقيق المكاسب والأهداف السياسية المشروعة للشعب الكوردي، وتعزيز الأمن والسلام والاستقرار، هي المعايير الحقيقية لقياس الثقة والنجاح وتحمل المسؤولية. أما الاكتفاء بالألقاب والمناصب دون مواقف عملية، فليس سوى عبث سياسي وخداع للنفس قبل الآخرين.

لقد كشفت الانتهاكات والجرائم المتكررة في سري كانيه (رأس العين)، وكوباني (عين العرب)، وعفرين، والحسكة، وغيرها من المناطق، عن ضعف المواقف السياسية وخجلها، وغياب التنسيق الفاعل بين الجهات المنخرطة في مسارات الاندماج وأصحاب المناصب والمسؤوليات، من جهة، والسلطة الانتقالية السورية من جهة أخرى.

وتثير هذه الوقائع تساؤلات جدية حول جدوى المناصب والامتيازات التي يشغلها بعض المسؤولين، ومدى قدرتهم على التأثير في القرارات المتعلقة بحماية المدنيين وصون حقوقهم.

فأين كنتم عندما تعرض المدنيون للاعتداءات؟ وأين كانت مواقفكم حين مُنع النازحون واللاجئون من العودة إلى منازلهم؟ وما جدوى المناصب إذا كانت عاجزة عن منع الانتهاكات أو المطالبة الجدية بمحاسبة مرتكبيها؟

إن ما جرى، وما جرى توثيقه بالصوت والصورة من اعتداءات وانتهاكات، يجب ألا يبقى مجرد مادة للتنديد الإعلامي، بل ينبغي أن يتحول إلى ملفات قانونية موثقة، وأدلة تُعرض على الجهات القضائية والحقوقية المختصة، وأن يكون أساساً لمواقف سياسية واضحة على المستويات السورية والكوردستانية والإقليمية والدولية.

إن نشر خطاب الكراهية والتحريض والانتقام ضد الشعب الكوردي، واستهداف المدنيين بسبب انتمائهم القومي، ومنع النازحين واللاجئين من العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم الأصلية، تحت أي عنوان أو ذريعة، ممارسات مرفوضة ومدانة، ولا يمكن تبريرها سياسياً أو أخلاقياً أو قانونياً.

وقد ترقى بعض هذه الأفعال، بحسب طبيعتها وظروف ارتكابها وتوافر أركانها القانونية، إلى جرائم يعاقب عليها القانون السوري والقانون الدولي، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية إذا توافرت شروطها القانونية.

أما اتخاذ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذريعة لاستهداف الشعب الكوردي، فهو حجة أقبح من الذنب.

فقسد لا تمثل الشعب الكوردي بأكمله، ولا يجوز اختزال القضية الكوردية أو الحقوق القومية المشروعة للكورد في تنظيم عسكري أو سياسي بعينه. فالشعب الكوردي صاحب قضية وطنية وقومية وتاريخية، وحقوقه لا تُمنح أو تُسلب تبعاً لمواقف أي قوة أو جهة سياسية أو عسكرية.

ومن المعروف أن نشأة قسد وبنيتها التنظيمية وأدوارها العسكرية والسياسية، وكذلك الجهات التي أسهمت في تأسيسها وتوجيه سياساتها، كانت وما تزال موضع نقاش وخلاف سياسي واسع، لا سيما في ظل ارتباطات بعض مكوناتها وتنظيماتها العابرة للحدود، وما يُثار بشأن أجنداتها وعلاقاتها بالمصالح الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات جوهرية حول مسارات اندماج قسد ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد) في مؤسسات السلطة السورية الانتقالية، وحول طبيعة التفاهمات العسكرية والأمنية والإدارية، ومدى ارتباطها بضمانات سياسية ودستورية واضحة لحقوق الشعب الكوردي.

فإذا كان الاندماج يجري قبل التوصل إلى اتفاق سياسي وحقوقي شامل، يضمن الاعتراف بالهوية القومية الكوردية والحقوق الدستورية المشروعة، فإن ذلك يثير مخاوف جدية من أن يتحول إلى مجرد إعادة توزيع للمواقع والنفوذ والمصالح، دون معالجة جوهر القضية الكوردية.

كما أن مسارات الاندماج المتعلقة بالقوات والتشكيلات المسلحة في شنكال (سنجار) تطرح بدورها تساؤلات حول طبيعة هذه الترتيبات وأهدافها، ومدى خدمتها للحقوق القومية والوطنية للكورد، أم للمصالح والحسابات السياسية والأمنية للأطراف المتنفذة.

فالاندماج العسكري والأمني والإداري، من دون اتفاق سياسي واضح وضمانات دستورية وقانونية ملزمة، لا يمكن اعتباره بحد ذاته إنجازاً يخدم القضية الكوردية.

وإن الأحداث والمواقف والتدابير التي أعقبت مسارات الاندماج، أو رافقتها، تستدعي مراجعة سياسية وقانونية جادة، ومساءلة جميع الأطراف المعنية عن النتائج الفعلية لهذه التفاهمات وانعكاساتها على أمن الشعب الكوردي وحقوقه ومستقبله.

إن المسؤولية الوطنية والقومية لا تُقاس بعدد المقاعد والمناصب، ولا بحجم النفوذ والامتيازات، وإنما بالقدرة على حماية الإنسان والدفاع عن حقوقه، ومنع تكرار الانتهاكات، وضمان عودة المهجرين والنازحين إلى مناطقهم الأصلية بأمان وكرامة.

وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس مزيداً من التصريحات الخجولة أو المواقف الرمزية، بل موقف سياسي وقانوني موحد وشجاع، وبرنامج عمل واضح يضع حماية الشعب الكوردي وحقوقه فوق الحسابات الحزبية والمصالح الشخصية، ويؤسس لضمانات حقيقية في إطار العدالة الانتقالية والدولة السورية القائمة على المواطنة والمساواة وسيادة القانون.

ويبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب من الإجابة عنه:

أين كنتم عندما كانت حقوق الناس تُنتهك، ومنازلهم تُحرق، وعودتهم إلى ديارهم تُمنع؟

وما قيمة المناصب إذا لم تكن وسيلة لحماية الشعب والدفاع عن حقوقه وكرامته؟

فالتاريخ لا يحفظ الألقاب والمناصب بقدر ما يحفظ المواقف، والشعوب لا تمنح ثقتها لمن يكتفي بالكلام، بل لمن يتحمل المسؤولية ويترجم وعوده إلى أفعال.

وما عدا ذلك، ليس سوى إعادة إنتاج للأوهام، وخداع للنفس، وتفريط بالمسؤولية الوطنية والقومية.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

بيان إدانة واستنكار للاعتداءات على العائلات المهجّرة العائدة إلى مدينة تل أبيض بريف الرقة الشمالي

تلقت الفيدرالية السورية لحقوق الإنسان، ببالغ القلق والإدانة والاستنكار، الأنباء الواردة بشأن الاعتداءات الخطيرة التي استهدفت عائلات من المهجّرين السوريين العائدين إلى…