مقالات

لماذا نتعايش في أوربا ونقتتل في سوريا والعراق وتركيا واغلب دول شرق الأوسط ؟

محمود أوسو

سؤال يطرحه كل كردي وإيزيدي وعربي وتركماني يعيش في أوروبا، في نفس البناية في ألمانيا تجد الكردي جار للتركي، والسني جار للعلوي، والإيزيدي جار للمسلم، ولا أحد يسأل الآخر عن دينه،بينما في شرقنا، الجار يقتل جاره لأنه من مذهب آخر،لماذا؟

أولاً: هل أوروبا طبقت القرآن والمسيحية لم تطبقه؟

المفارقة أن أوروبا المسيحية اليوم تطبق عملياً الآية القرآنية التي نهملها نحن:
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات 13]

لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي [البقرة 256]

ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين [يونس 99]

هذه الآيات هي دستور للتعايش.

لكن في نفس القرآن توجد آيات أخرى يستخدمها المتطرفون:

فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة 5]
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [التوبة 29]

الفقهاء حلوا هذا التناقض الظاهري بنظرية الناسخ والمنسوخ وظروف النزول, آيات التسامح نزلت في مكة في حالة ضعف، وآيات القتال نزلت في المدينة في حالة حرب وجودية مع قريش.
المشكلة أن الجماعات المتطرفة اليوم تأخذ آيات الحرب وتطبقها في زمن السلم، وتترك آيات السلم.

أما في المسيحية، فالنص واضح وصريح في منع الحقد:

الإنجيل: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم [متى 5:44]
لأننا إن كنا نحب الذين يحبوننا فقط، فأي فضل لنا؟

المسيحية مرت بنفس مرحلة العنف التي نمر بها،في العصور الوسطى كانت محاكم التفتيش تحرق المختلف،أوروبا لم تصبح متسامحة لأن المسيحية متسامحة بطبيعتها، بل لأنها خاضت حرباً دينية دامت 30 عاماً (1618-1648) قتل فيها 8 ملايين أوروبي بين كاثوليك وبروتستانت، ثم قررت أن تفصل الدين عن الدولة.

ثانياً: سر أوروبا ليس الأخلاق، بل القانون

في أوروبا لا يتعايش الناس لأن قلوبهم نظيفة، بل لأن القانون يمنعهم من الكراهية.

في ألمانيا حيث تعيش أنت:
المادة 3 من الدستور الألماني:لا يجوز التمييز ضد أي شخص بسبب جنسه أو أصله أو عرقه أو لغته أو دينه أو معتقده
القانون الجنائي 130: يعاقب بالسجن حتى 5 سنوات كل من يحرض على الكراهية ضد قومية أو دين.

يعني إذا جارك التركي شتمك لأنك كردي في بريمن، تستطيع أن تتصل بالبوليس ويأتي ليأخذه في نفس الليلة. أما في شرقنا، إذا شتمك أحد لأنك إيزيدي، تذهب للشرطة فيقولون لك حلها عشائرياً.

الدولة في أوروبا دولة محايدة، لا تقول أنا دولة السنة أو دولة الشيعة أو دولة الكرد أو العرب،الدولة للجميع،بينما في شرقنا، الدولة نفسها طائفية،دستور العراق يقول الإسلام مصدر التشريع، دستور سوريا يقول دين الرئيس الإسلام، تركيا تقول نحن دولة الأتراك. عندما تكون الدولة منحازة، يصبح المواطن عنصرياً لكي يحمي نفسه.

ثالثاً: هل السبب الحكام أم أوروبا؟

1-دور الأنظمة الدكتاتورية:
المستبد يحتاج إلى تقسيم الشعب لكي يحكمه,سياسة “فرق تسد” قديمة,صدام حسين كان يقول للشيعة أن السنة خطر عليكم، وللسنة أن الشيعة خطر عليكم.
الأسد يقول للأقليات أن الأكثرية ستذبحكم ,أردوغان يقول للأتراك أن الكرد انفصاليون,هذا يخلق حقداً مصطنعاً.

في أوروبا الحاكم لا يحتاج لهذا، لأنه يأتي بالانتخاب وليس بالدبابة.

2- دور أوروبا والرأسمالية:
نعم، أوروبا تصدر أزمتها,هذه حقيقة لا ينكرها أكاديمي. شركات السلاح الأوروبية تبيع السلاح لكل الأطراف المتحاربة في شرقنا,اتفاقية سايكس بيكو رسمت حدوداً قسمت الكرد والعرب عمداً لكي يبقوا متقاتلين,اليوم أوروبا تريد من شرقنا أن يبقى سوقاً للنفط ومصدراً للاجئين الرخيصين وميداناً لتجريب الأسلحة.

لكن لا يمكن أن نلوم أوروبا وحدها ونعفي أنفسنا,أوروبا تعطيك سكيناً، لكن أنت الذي تقرر أن تطعن به جارك.
الخلاصة :
التعايش في أوروبا ليس معجزة مسيحية ولا تطبيقاً للقرآن، بل هو نتيجة ثلاث خطوات مرت بها أوروبا ولم نمر بها نحن بعد:

1- حرب أهلية دموية علمتهم ثمن الطائفية.
2- فصل الدين والقومية عن الدولة وتحويل الدولة إلى شرطي محايد.
3- قانون صارم فوق الجميع لا يرحم من يمارس العنصرية.

نحن في الشرق ما زلنا في المرحلة الأولى، مرحلة الحرب الأهلية,القرآن والإنجيل فيهما ما يدعو للحب وفيهما ما يمكن تأويله للكراهية، والإنسان يختار ما يناسب مصلحته,القانون هو الذي يجبره على اختيار الحب.

عندما يصبح في قامشلو قانون يقول من يشتم إيزيدياً لأنه إيزيدي سيسجن 5 سنوات,مثل قانون بريمن، عندها سنتعايش مثل بريمن.

 

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى