✍️ خالد حسو
ليست الخيانة أن يبحث شعبٌ عن أصدقاء، أو يبني تحالفاتٍ سياسية مع قوى ودول تتقاطع مصالحها مع مصالحه، ما دام الهدف حماية وجوده، وصون كرامته، والدفاع عن حقوقه القومية المشروعة، وتأمين مستقبل أجياله. فالسياسة ليست عزلةً عن العالم، ولا تقوم على الشعارات وحدها، بل على قراءة الواقع، وفهم المصالح، وبناء العلاقات التي تخدم قضية الشعب وتحمي تطلعاته.
إن الشعب الكوردي، الذي واجه عبر تاريخه أشكالاً متعددة من الحرمان والاضطهاد والتهجير ومحاولات طمس هويته، من حقه أن يبحث عن كل صديقٍ صادق، وأن يقيم علاقاتٍ وتحالفاتٍ مشروعة تسهم في حماية أبنائه من الموت والجوع والخوف والذوبان القومي والإبادة. فالبحث عن الحلفاء ليس عيباً، والتعاون السياسي ليس خيانة، ما دام قائماً على المصالح المشروعة والاحترام المتبادل، ولا يأتي على حساب كرامة الشعب وحقوقه ومستقبله.
فالخيانة ليست في أن تتحالف مع من يساعدك على حماية شعبك، بل في أن تتواطأ مع من يستهدفه؛ وليست في أن تمدّ يدك لمن يصون وجودك، بل في أن تمدّها لمن يسعى إلى إضعافك ومحو هويتك ومصادرة حقوقك.
إن الخيانة الحقيقية تبدأ حين تتقدم المصالح الشخصية على المصلحة القومية، وحين يصبح الدم الكوردي مادةً للمساومة، وحين يتغاضى المرء عن معاناة شعبه من أجل مكسبٍ عابر أو منفعةٍ ضيقة. وتبلغ خطورتها ذروتها عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى تبريرٍ للاضطهاد، أو عندما يصبح التواطؤ مع الجهات التي تلحق الأذى بالشعب وسيلةً لتصفية الحسابات أو تحقيق المصالح الخاصة.
ولا يعني ذلك أن كل تحالفٍ صحيح، أو أن كل صديقٍ حليفٌ موثوق؛ فالتحالفات تحتاج إلى وعيٍ وحكمة، وإلى تقديرٍ دقيق للمصالح والمخاطر، وإلى وضوحٍ في الأهداف والحدود. فالصداقة السياسية لا تُقاس بكثرة التصريحات، بل بمدى احترام الحقوق، والوفاء بالالتزامات، والقدرة على التعاون بما يخدم المصالح المشروعة للشعب. كما أن الاستقلالية في القرار القومي تظل ضرورةً أساسية حتى لا يتحول البحث عن الحلفاء إلى تبعيةٍ أو ارتهانٍ لإرادة الآخرين.
ومن هنا، فإن الدفاع عن القضية الكوردية لا يكون بالانغلاق والعزلة، ولا بتخوين كل من يسعى إلى بناء علاقاتٍ خارجية، بل بالحوار المسؤول، ووحدة الصف، وتغليب المصلحة القومية على الحسابات الحزبية والشخصية. فالاختلاف في تقدير المواقف والتحالفات أمرٌ طبيعي في السياسة، لكن ما يجب ألا يكون موضع مساومة هو حق الشعب الكوردي في الحياة والكرامة والهوية والحقوق القومية المشروعة.
إننا بحاجةٍ إلى خطابٍ يميّز بين الاختلاف والاجتهاد من جهة، والتواطؤ المتعمد على حساب الشعب من جهة أخرى؛ خطابٍ لا يوزع تهم الخيانة جزافاً، ولا يمنح صكوك البراءة لمن يضرّ بمصالح شعبه، بل يجعل المواقف والأفعال ومعايير المسؤولية الوطنية أساساً للحكم.
فالأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، والشعوب لا تصون وجودها بالخوف والعزلة، بل بالوعي والوحدة والحكمة وبناء التحالفات المسؤولة. والخيانة الحقيقية ليست في البحث عن حليفٍ يحمي شعبك، بل في التواطؤ على دمائه وكرامته ومستقبله.
إن القضية الكوردية قضية شعبٍ وأرضٍ وهويةٍ وحقوقٍ ومصير؛ ومن واجب كل من يؤمن بعدالتها أن يجعل مصلحة الشعب فوق المصالح الضيقة، وأن يدرك أن حماية الوجود القومي مسؤوليةٌ تاريخية لا تحتمل المزايدات ولا تقبل المتاجرة بآلام الناس.
فليكن معيارنا دائماً واضحاً: من يحترم حقوق شعبنا، ويحمي كرامته، ويساند تطلعاته المشروعة، يمكن أن نلتقي معه على أساس المصالح المشتركة؛ أما من يتواطأ على شعبنا ودمائه ووجوده، فلا يمكن تبرير موقفه بالشعارات أو المصالح العابرة.
لأن الوفاء للقضية ليس مجرد كلماتٍ تُقال، بل موقفٌ مسؤول، وضميرٌ حي، وعملٌ صادق من أجل شعبٍ يستحق الحياة بحريةٍ وكرامة، ومستقبلاً يقرره بإرادته بعيداً عن الخوف والإكراه.
إنها قضية شعبٍ ووجودٍ ومصير، وستبقى مصلحة شعبنا وكرامته وحقوقه هي البوصلة التي ينبغي أن تهدي مواقفنا وتحالفاتنا.



