مقالات

بين حرب الوجود وحسابات الأمن القومي في الشرق الأوسط

شــــريف علي
ليست كل الحروب التي تُخاض تحت شعار الدفاع عن الوجود حروباً وجودية بالمعنى الحقيقي، كما أن الحروب التي تُبرَّر بالأمن القومي ليست بالضرورة حروباً وطنية؛ فقد تخفي وراءها صراعات على النفوذ والهيمنة وإعادة توزيع القوة. ويكشف الصراع الإيراني الإسرائيلي، إلى جانب الحرب التركية ضد الشعب الكوردي، عن إشكالية إقليمية تتداخل فيها المخاوف الأمنية مع الأيديولوجيا والمصالح السياسية، فيما تتحمل الشعوب القسم الأكبر من الخسائر .
منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979، أصبحت مواجهة إسرائيل إحدى ركائز خطاب النظام الإيراني ومشروعه الإقليمي، تحت شعارات الدفاع عن فلسطين ومقاومة الهيمنة الأمريكية. وفي المقابل، ترى إسرائيل في البرنامج النووي الإيراني وقدراته الصاروخية ونفوذه الإقليمي تهديداً لأمنها وتفوقها الاستراتيجي. وبين الطرفين، لم تعد المواجهة مجرد دفاع متبادل، بل تحولت إلى صراع على الردع والنفوذ وتحديد موازين القوة في الشرق الأوسط .
ومع أن المخاوف الأمنية لدى الطرفين ليست وهمية بالضرورة، فإن توظيفها سياسياً يثير سؤالاً جوهرياً: أين تنتهي متطلبات الدفاع عن الأمن، وأين تبدأ محاولات فرض الهيمنة؟ فإسرائيل لا تستطيع ضمان أمنها بالقوة العسكرية وحدها، كما أن إيران لا تستطيع تبرير تدخلاتها الإقليمية وتوسيع نفوذها المسلح بمجرد رفع شعارات المقاومة. وعندما تتحول الدول الأخرى إلى ساحات لتصفية الحسابات، يصبح أمنها وسيادتها ومستقبل شعوبها رهينة صراعات لا تتحكم في أهدافها أو نتائجها .
وتتجلى هذه الإشكالية بصورة مختلفة في السياسة التركية تجاه الشعب الكوردي. فأنقرة تضع الأمن القومي في صلب تعاملها مع القضية الكوردية، وتستند إلى مخاوفها من إعلان كيان كوردي مستقل على الجغرافية الكوردستانية وتنامي القدرات السياسية والعسكرية الكوردية في دول الجوار كما هو الحال في إقليم كوردستان – لتبرير عمليات عسكرية وإجراءات أمنية تتجاوز حدودها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتسع تعريفات التهديد لتشمل المطالب القومية والحقوق السياسية وخيارات الإدارة الذاتية، وكأن كل تعبير عن الهوية الكوردية أو السعي إلى ضمان حقوقها يمثل خطراً على الدولة التركية.
إن حق تركيا في حماية أمنها ومواطنيها لا يلغي حق الشعب الكوردي في الهوية والحقوق والتمثيل السياسي والمشاركة في إدارة شؤونه. كما أن التمييز بين التهديد المسلح والمطالبة السياسية المشروعة شرط أساسي لأي سياسة أمنية مسؤولة. فحين يتحول الأمن القومي إلى مبرر دائم لتقييد حقوق شعب كامل، لا يعود أداة لحماية الاستقرار، بل يصبح عاملاً في استمرار الصراع وتغذية انعدام الثقة .
ولا يعني وضع الحالتين الإيرانية الإسرائيلية والتركية الكوردية في إطار تحليلي واحد تطابقهما في طبيعة الصراع أو أطرافه، بل إن القاسم المشترك بينهما هو خطر تحويل المخاوف الأمنية إلى مبرر مفتوح لتوسيع النفوذ أو فرض الوقائع بالقوة. ففي الحالة الأولى، تتصارع قوتان إقليميتان على الأمن والردع والمكانة؛ وفي الثانية، تتحول القضية القومية الكوردية إلى ملف أمني تتداخل فيه حسابات الدولة التركية مع حقوق شعب يمتد وجوده عبر حدود عدة دول .
أما المستفيدون من هذه الصراعات، فلا يمكن تحديدهم بمعادلة بسيطة. فقد تحقق دولة تفوقاً عسكرياً مؤقتاً أو توسعاً في نفوذها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق أمن مستدام. فالضربات العسكرية قد تضعف الخصم من دون أن تنهي أسباب العداء، والعمليات العابرة للحدود قد تفرض وقائع مؤقتة من دون أن تعالج جذور القضية الكوردية. وفي الحالتين، يدفع المدنيون الثمن من حياتهم وأرزاقهم واستقرارهم، بينما تتراجع فرص التنمية والتعايش والتسويات السياسية .
إن المعضلة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست غياب القوة العسكرية، بل غياب قواعد سياسية وقانونية تنظم المصالح المتعارضة وتحمي سيادة الدول وحقوق الشعوب. فالأمن لا يتحقق بإلغاء الآخر أو إخضاعه، ولا يمكن بناء استقرار دائم على إنكار الحقوق القومية والسياسية أو استخدام أراضي الدول المجاورة لتصفية الحسابات .
في المحصلة، لا يُقاس صدق الشعارات الأمنية بحجم الترسانة العسكرية أو مساحة النفوذ التي تفرضها الدول، بل بقدرتها على حماية مجتمعاتها من دون تحويل المجتمعات الأخرى إلى ضحايا. فالدفاع عن الوجود لا يمنح حق الهيمنة، والأمن القومي لا ينبغي أن يصبح غطاءً للحروب المفتوحة أو وسيلة لإنكار حقوق الشعوب أو تقييدها .
————– 21 / اكتوبر / 2026 ————–

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى