مقالات

خيارات كردستان بعد الانسحاب الأمريكي: كيف تُبنى الحماية؟

عدنان بدرالدين

أظهر البحث في حماية إقليم كردستان واقتصاده أن استمرار العلاقات الخارجية لا يكفي وحده لضمان الاستقرار. فقد تبقى الصداقة مع واشنطن، وتتوسع الاستثمارات، بينما يظل الإقليم بحاجة إلى وسائل تحمي سكانه ومنشآته من الهجمات. والسؤال الذي تطرحه المرحلة الجديدة هو كيف يحوّل الإقليم حقوقه الدستورية وقدراته الداخلية وشراكاته الخارجية إلى حماية يستطيع الاعتماد عليها.

يثير الانسحاب الأمريكي سؤالًا متكررًا: من سيملأ الفراغ؟ لكن السؤال يفترض أحيانًا أن دولة واحدة تستطيع تعويض جميع الأدوار التي أدتها القوات المغادرة. وقد تتوزع هذه الأدوار بين أطراف متعددة: دعم أمريكي في مجالات محددة، ومساعدة أوروبية، وعلاقات إقليمية تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والأمنية.

وتبقى فاعلية هذه العلاقات مرتبطة بقدرة مؤسسات الإقليم على إدارة شراكاتها، وبمدى التزام الحكومة الاتحادية بحمايته واحترام صلاحياته. فالدعم الخارجي يحتاج إلى مؤسسات تستطيع استخدامه، وإلى ترتيبات تضمن وصوله وتشغيله واستمراره حين تقع الأزمة.

توحيد البيشمركة: أين يصدر الأمر؟

أعلنت وزارة شؤون البيشمركة في أيلول/سبتمبر 2026 اكتمال توحيد القوات وإعادة تنظيمها، بما يشمل قوات السبعين والثمانين، ضمن قيادة واحدة تابعة للوزارة. وهو إعلان مهم في مسار طال انتظاره، لكن قيمته تتحدد بما يغيّره في طريقة عمل القوات.

يعني التوحيد، ببساطة، أن تصدر الأوامر من قيادة عسكرية معلومة، وأن تُنفذ عبر تسلسل واضح، وأن تُدار الرواتب والأسلحة والتعيينات وفق قواعد مشتركة. أما جمع الوحدات تحت اسم واحد، مع استمرار تحكم المراكز الحزبية بقراراتها، فيُبقي جوهر المشكلة قائمًا. ولذلك فإن السؤال الحاسم هو مقدار السلطة الفعلية التي انتقلت إلى الوزارة.

ويمكن تقريب الفارق بمثال: إذا قررت الوزارة نقل وحدة إلى موقع تحتاج إليه، أو تغيير قائدها، فهل يُنفذ القرار عبر القنوات العسكرية، أم يتوقف على موافقة حزبية؟ هنا تظهر المسافة بين توحيد التنظيم وتوحيد القرار.

ولا تكفي إقامة المراسم لإثبات اكتمال الإصلاح، كما لا يصح وصف العملية كلها بأنها شكلية لمجرد تزامنها مع الانسحاب. المطلوب معرفة ما انتقل فعلًا إلى الوزارة من سلطة وموارد، وما بقي خارجها، ومدى استمرار العمل المشترك عند تجدد الخلاف السياسي.

ويخدم نجاح هذه العملية أمن الإقليم وموقعه التفاوضي. فالشريك الخارجي يحتاج إلى جهة تستطيع إدارة المساعدة، والسكان يحتاجون إلى قوة تحميهم وتخضع للمساءلة، بعيدًا عن التنافس الحزبي.

الحقوق الدستورية ومسؤولية الإصلاح

ينبغي أن ينطلق النقاش بشأن البيشمركة من الأساس الدستوري لقوات الإقليم ضمن النظام الاتحادي العراقي. فالدستور يقر لحكومة الإقليم تنظيم قوى الأمن الداخلي، بما فيها حرس الإقليم. ولا يصح التعامل مع هذا الحق بوصفه منحة سياسية قابلة للسحب عند كل خلاف، أو جعل إلغاء البيشمركة شرطًا تضعه فصائل مقابل تسليم أسلحتها.

وقد نقلت «شفق نيوز» في أواخر أيلول/سبتمبر عن فالح الخزعلي شروطًا نسبها إلى أربعة فصائل، شملت حل البيشمركة إلى جانب مطالب أخرى. وتكشف هذه الرواية جانبًا من الخلاف على معنى حصر السلاح، دون أن تمثل بالضرورة موقف جميع تشكيلات الحشد الشعبي.

ويتعلق أحد الفروق الأساسية بمن يملك قرار استخدام القوة، وكيف يخضع هذا القرار للسلطات المختصة. فإدراج تشكيل مسلح في مؤسسة رسمية، وصرف رواتبه من الموازنة، لا يضمنان وحدهما خضوعه لقيادتها. وإذا بقي قرار تحريكه واستخدام سلاحه لدى قيادة أخرى، فإن الارتباط الإداري لم يتحول بعد إلى التزام فعلي بالأوامر.

وفي الوقت نفسه، لا يعفي الأساس الدستوري مؤسسات الإقليم من إصلاح قواتها والرقابة على تمويلها وأدائها. لكن الإصلاح واجب تجاه السكان، ولا ينبغي تحويله إلى شرط لتعليق حقوقهم أو تأجيل حمايتهم.

ويسند الدستور مسؤولية الدفاع الوطني إلى السلطات الاتحادية، بما يشمل حماية الإقليم بوصفه جزءًا من العراق. وتقتضي هذه المسؤولية توفير مسار واضح لتلبية احتياجاته الدفاعية، مع احترام صلاحيات مؤسساته. وتتحمل أربيل مسؤولية تنظيم قواتها والتنسيق ضمن هذا الإطار. ويُختبر التزام كل جهة بما تؤديه فعلًا، مع مراعاة اختلاف صلاحياتها وأدواتها وقدرتها على التنفيذ.

إيران: حماية السكان وإدارة أسباب التوتر

تبدأ معالجة العلاقة مع إيران من ضرورة حماية السكان ومنع استهداف المدن والمنشآت. ولا يكفي إعلان جهة مهاجمة أنها تستهدف معارضة مسلحة لإثبات طبيعة جميع المواقع التي أصابتها أو تبرير الأضرار التي لحقت بالمدنيين.

ويحتاج الإقليم إلى وسائل دفاع وإنذار، وإلى تحقيقات جدية في الهجمات، وتحرك سياسي يرفع كلفة تكرارها. وتقع على الحكومة الاتحادية مسؤولية أساسية في توفير هذه الحماية والتصدي للاعتداءات على الأراضي العراقية؛ فإدانة الهجوم بعد وقوعه لا تعوض منعَه أو تقليل أضراره.

وتقتضي إدارة الحدود منع استخدام أراضي الإقليم لتنفيذ أعمال مسلحة ضد الجوار. لكن التأكيد على هذا المبدأ لا يعني التسليم بصحة الاتهامات التي تُساق لتبرير الهجمات. فكل ادعاء بتنفيذ عملية عبر الحدود يحتاج إلى أدلة يمكن التحقق منها.

كما ينبغي الفصل بين وجود معارضين سياسيين ولاجئين، ووجود جماعات مسلحة، وتنفيذ عمليات عبر الحدود. فوجود حزب معارض، أو امتلاك بعض أعضائه السلاح، لا يثبت وحده انطلاق عمليات من الأراضي التي يقيمون فيها.

قد يقلل تنظيم هذا الملف بعض أسباب التوتر، لكنه لا يضمن انتهاء الهجمات، لأن حساباتها قد تتجاوز نشاط المعارضة الكردية الإيرانية. كما ينبغي أن تحافظ أي ترتيبات على سلامة اللاجئين والمعارضين، وألا تعرضهم للانتقام.

تركيا: فاعل مهم وحدود واضحة

تملك تركيا وزنًا كبيرًا في خيارات الإقليم بحكم الجغرافيا والتجارة وطرق العبور والعلاقات السياسية والأمنية. ويمكن أن تسهم هذه العلاقات في توسيع الأسواق وجذب الاستثمار وتخفيف الضغوط الاقتصادية، بقدر ما تستند إلى اتفاقات مستقرة واحترام للمصالح المتبادلة.

لكن أنقرة تتحرك وفق مصالحها، بما فيها سياستها تجاه القضية الكردية وعلاقاتها ببغداد وطهران. ولهذا لا تكفي الشراكة التجارية للاستنتاج بأنها ستوفر حماية عسكرية أو تساند الإقليم في خلافاته مع المركز. فلكل من هذه الملفات حساباته والتزاماته.

وتقتضي العلاقة المستقرة معرفة مجالات الاتفاق وحدود الاختلاف، وتجنب الاعتماد المفرط على منفذ أو شريك واحد. كما أن أي تقدم في المسار الذي تسميه أنقرة «تركيا بلا إرهاب» ينبغي أن يُقاس بما يوفره من تسوية وحقوق قابلة للتطبيق، إلى جانب التغير في وضع التنظيمات المسلحة.

وتقدم التجربة السورية تنبيهًا إلى حدود الشراكات الخارجية. فقد ترافقت عملية إدماج القوات والإدارة الكردية في مؤسسات الدولة مع استمرار المطالبة بضمانات دستورية للحقوق. والدرس الذي يهم الإقليم هو أن التعاون الأمني يؤدي وظائف محددة، بينما يحتاج تثبيت الحقوق إلى قواعد ومؤسسات تستطيع حمايتها.

ويختلف وضع كردستان العراق بما يمتلكه من أساس دستوري ومؤسسات إقليمية. لكن المحافظة على هذه المكاسب تحتاج إلى تطبيق الدستور، وتماسك داخلي، وقدرة على منع تحويل الخلافات إلى وسائل ضغط على السكان.

ما الذي يمكن أن يقدمه الغرب؟

يمكن أن يستمر التعاون الأمريكي والأوروبي في التدريب والتجهيز وتبادل المعلومات وصيانة المعدات ودعم إصلاح المؤسسات. وقد أكدت بريطانيا، عند إعلان انتهاء مهمة التحالف، توجهها إلى استمرار التعاون الدفاعي مع العراق.

لكن قيمة كل شراكة تتحدد بما تقدمه عند الحاجة. فالتدريب على مواجهة الجماعات المسلحة يختلف عن توفير وسائل اعتراض المسيّرات، والاتصال السياسي لا يعوض منظومة إنذار أو معدات تتوقف بسبب غياب الصيانة.

لذلك يحتاج الإقليم إلى مطالب محددة: ما القدرات التي تنقصه؟ ومن يستطيع توفيرها؟ وكيف تُضمن الموافقات والتشغيل والإمدادات؟ ويضاف إلى ذلك سؤال تفرضه شكاوى قيادته من عرقلة اقتناء وسائل دفاعية: ما الذي يمنع تعطيل الدعم عند تجدد الخلاف مع بغداد؟

لا تكفي هنا التطمينات العامة. المطلوب إجراءات معلنة، ومواعيد للموافقات والتسليم، وأسباب واضحة لأي رفض أو تأخير، وآلية لمعالجة التعطيل، مع تحديد الجهة المسؤولة عن الحماية خلال فترة الانتظار. ويمكن إدراج هذه الالتزامات في ترتيبات تتفق عليها بغداد وأربيل والجهات الداعمة، بحيث يصبح تنفيذها قابلًا للمتابعة.

كما يفيد تنويع العلاقات الاقتصادية والسياسية، بشرط أن تُدار عبر مؤسسات الإقليم، وألا تتحول إلى علاقات منفصلة يرتبط كل منها بمركز حزبي. فاختلاف قنوات التواصل قد يكون مفيدًا، لكن تضارب الالتزامات يضعف القدرة على التفاوض.

أي مستقبل يمكن بناؤه؟

تتوقف خيارات الإقليم على العلاقة بين الإصلاح الداخلي والحماية الاتحادية والدعم الخارجي. ويمكن لانتظام هذه العناصر أن يتيح وضعًا أكثر استقرارًا، لكن أزمة الثقة بين بغداد وأربيل تجعل الوصول إليه مشروطًا بأفعال متكررة تثبت الالتزام.

وتظهر هذه الأفعال في قيادة عسكرية أوضح، وتجهيزات تصل في وقتها، وتعاون أمني يستمر أثناء الخلاف، وحقوق مالية لا تتعطل عند كل أزمة سياسية. فالثقة تنمو حين يجد كل طرف أن الاتفاق يُنفذ حتى عندما تتباعد المواقف.

وقد يستمر وضع وسط، تتكرر فيه الاتفاقات المؤقتة مع بقاء أسباب التعطيل. يسمح هذا الوضع باستمرار المؤسسات، لكنه يستهلك الموارد والثقة ويجعل التخطيط للمستقبل أكثر صعوبة.

أما تراكم الهجمات والضغوط المالية والانقسام الداخلي، فيضيّق هامش القرار ويدفع إلى قبول تسويات لتجاوز الأزمة الآنية، ولو كانت كلفتها أكبر على المدى الطويل.

ويمكن للقارئ متابعة الاتجاه عبر أسئلة بسيطة: هل تصل وسائل الحماية المتفق عليها؟ هل تعمل القوات تحت قيادة واضحة؟ هل يستمر التنسيق عند الخلاف؟ وهل تُنفذ الالتزامات دون تحميل السكان كلفة النزاع؟

لن يستغني الإقليم عن شركائه، لكن قدرته على الاستفادة منهم تزداد كلما اتضح قراره وتحسنت مساءلة مؤسساته. ولا تعوض هذه القدرة واجب السلطات الاتحادية في حمايته واحترام حقوقه. وتصبح الحماية أكثر قابلية للاستمرار حين تجتمع مؤسسات إقليمية فاعلة، والتزامات اتحادية منفذة، وشراكات خارجية محددة تستطيع مواصلة عملها في أوقات الخلاف والأزمة.

24 تشرين الأول/أكتوبر 2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى