د .مرشد اليوسف
استمرت الحرب السورية خمسة عشر عاماً، ومع ذلك لم تنتهِ تداعياتها، ولم تصل البلاد بعد إلى سلام مستقر يطمئن إليه السوريون على اختلاف انتماءاتهم القومية والدينية والسياسية. فما زالت جراح الماضي مفتوحة، وما زالت أسباب كثيرة للصراع قائمة، وما زالت المخاوف من المستقبل تلقي بظلالها على المجتمع السوري.
وبحكم خبرتي الطويلة في مراكز الابحاث والدراسات الاستراتيجية ، وإعدادي دراسات وأبحاثاً مطولة حول سوريا والشرق الأوسط وإيران وروسيا والصين وامريكا وإسرائيل والشرق الأوسط ، وعملي باحثاً متخصصاً في الشأن الأمريكي والشرق الأوسط في مركز روجافا للدراسات الأستراتيجية، أجد نفسي مضطراً إلى إطلاق تحذير جدي: إن السوريين، إذا لم يتداركوا أخطاء الماضي، ولم يؤسسوا لدولة تقوم على المواطنة والعدالة والتسامح وحقوق المكونات ، فقد يجدون أنفسهم أمام خمسة عشر عاماً أخرى من الصراع وعدم الاستقرار.
لقد اتسمت السنوات الأولى من الحرب بمواجهة دامية بين نظام بشار الأسد وقطاعات واسعة من الشعب السوري، وكان السنة يشكلون غالبية كبيرة من المتضررين في مناطق عديدة. واستخدم النظام الأسلحة التقليدية والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية الفتاكة، وفق ما وثقته تقارير دولية، مخلفاً مآسي إنسانية ودماراً هائلاً ونزوحاً واسعاً.
لكن المأساة السورية لا ينبغي أن تتحول إلى ذاكرة انتقام متبادل، ولا يجوز أن يصبح ألم جماعة سورية مبرراً لاستهداف جماعة أخرى. فالمطلوب اليوم أن يتعلم السوريون من ماضيهم، لا أن يعيدوا إنتاجه بأسماء ورايات مختلفة.
وعلى الحكومة السورية أن تدرك أن مسؤوليتها لا تقتصر على بسط سلطتها، بل تشمل بناء مؤسسات يشعر فيها المواطن الكردي والعربي والسرياني والعلوي والدرزي، وسائر المواطنين، بأنهم شركاء في وطن واحد، لا جماعات تنتظر دورها في الخوف أو الإقصاء.
كما أن مسؤولية الشعب السوري تتمثل في رفض التحريض الطائفي والقومي، وعدم تحميل جماعة بأكملها مسؤولية أفعال أفراد أو سلطات، والتمسك بحقوق الضحايا والعدالة الانتقالية بعيداً عن الانتقام الجماعي.
ورسالتي واضحة: لقد خسر السوريون خمسة عشر عاماً من أعمارهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم. فلا تسمحوا بأن يخسروا خمسة عشر عاماً أخرى. اسألوا اللبنانيين عن الحرب الأهلية ونتائجها التي أكلت الأخضر واليابس، وتعلموا من مأساتهم قبل أن تتكرر المأساة السورية في صورة جديدة.
إن إنقاذ سوريا مسؤولية مشتركة، والتسامح ليس ضعفاً، والاعتراف بحقوق الآخرين ليس تنازلاً عن الوطن، بل هو الطريق إلى وطن يتسع للجميع.





