مقالات

العشيرة التي حمت الهوية.. والمثقف الذي يحمي المستقبل

ماهين شيخاني

في مجتمعاتنا، لا تزال العلاقة بين المثقف والعشيرة تُطرح غالباً بوصفها صراعاً حتمياً بين منظومتين: منظومة الحداثة والقانون، ومنظومة القرابة والعصبية. لكن هذه الثنائية المضادة، رغم شيوعها، تختزل واقعاً أكثر تعقيداً، وتغفل حقيقة أن العشيرة ليست مجرد بنية تقليدية جامدة، بل كيان اجتماعي متطور، قادر على التكيف مع التحولات.

المثقف الذي يقف على الضفة الأخرى، مطلقاً أحكامه على العشيرة من برج عالٍ، لا يختلف كثيراً عن العشيرة التي تنغلق على نفسها وترفض الآخر. كلاهما يمارس نوعاً من العصبية: عصبية الفكرة وعصبية الدم.
المثقف بين الصدام والاندماج
صحيح أن المثقف يحمل مسؤولية تاريخية في تفكيك المفاهيم السلبية داخل البنية العشائرية: الثأر، الجلوة، زواج المقايضة، مصادرة حقوق المرأة، تعطيل القانون. لكن الصدام المباشر مع هذه البنية، دون فهم عميق لآلياتها، لا ينتج تغييراً، بل ينتج انكفاءً، ويحول المثقف إلى صوت معزول في الصحراء.
المثقف الحقيقي ليس من يهاجم العشيرة من الخارج، بل من يعيش في قلبها، ويحاورها، ويستثمر نقاط قوتها (التكافل، الوساطة، حماية الفرد) في بناء وعي مدني لا ينفصل عن الجذور.
العشيرة ليست عدواً دائماً
في السياق السوري، لعبت العشيرة أدواراً متناقضة. كانت في لحظات أداة قمع حين تحولت إلى ذراع سياسي، وكانت في لحظات أخرى شبكة أمان حين انهارت الدولة وتراجعت مؤسساتها. من الظلم أن نختزل العشيرة في صورتها السلبية، كما من الظلم أن نقدسها.
والعشيرة في السياق الكوردي والسوري لعبت دوراً في حماية الهوية أحياناً.
ففي فترات الإنكار القومي، حين أُغلقت المدارس أمام اللغة الكوردية، ومُنعت الأحزاب الكوردية، وطُوردت النخب المثقفة، بل كانت اللغة الكوردية ممنوعة من التحدث بها في الدوائر الحكومية والمدارس، وجد الكوردي في بنيته العشائرية ملاذاً لحماية لغته وذاكرته وتقاليده. لم تكن العشيرة مجرد كيان اجتماعي، بل كانت في أحيان كثيرة حاملة للهوية، وحافظة للتراث الشفهي، وناقلة للذاكرة الجمعية من جيل إلى جيل. وفي غياب الدولة التي تحمي الحقوق، وجد الكوردي في العشيرة شبكة أمان اجتماعي وثقافي حالت دون ذوبان هويته.
لكن هذا الدور المزدوج يجعل العلاقة أكثر تعقيداً. فالعشيرة التي حمت الهوية في زمن الاضطهاد، قد تتحول في زمن آخر إلى عائق أمام بناء الدولة المدنية إذا تجاوزت حدودها الاجتماعیة إلى التدخل في السياسة والقانون. ومن هنا تأتي أهمية المثقف الكوردي تحديداً، بوصفه حلقة وصل بين حماية الإرث الاجتماعي والانفتاح على قيم المواطنة والحداثة.

القانون فوق الجميع.. لكن لا بد من جسور
لا يمكن للقضاء العشائري أن يكون بديلاً عن القانون. فالقانون هو الفيصل، والحق العام لا يسقط بالصلح. لكن في الواقع، يبقى “الصلح العشائري” أداة مساندة، تهّدئ النفوس، وتطفئ الحرائق قبل أن تتحول إلى حروب أهلية.
التكامل إذن هو الحل: القانون يفصل ويحمي، والعشيرة تساند وتطهّر. المثقف هنا جسر، لا خندق.
ختاماً :
أنا لا أدعو إلى إلغاء العشيرة، لأنني لا أؤمن بأن المثقف الذي يبدأ مشروعه بالعداء مع المجتمع الذي جاء منه، يصلح لقيادة تغيير. لكنني أيضاً لا أدعو إلى تقديس العشيرة والانحناء لعصبيتها.
أدعو إلى مثقف عضوي، يعيش في قريته، ويحاور شيخه، ويجلس في مضافته، لكنه يحمل في يده دستوراً، لا سيفاً. مثقف يعرف أن تغيير المجتمع لا يكون بالاستعلاء عليه، بل بالارتقاء معه.
والدرس الأهم الذي أتمنى أن يخرج به القارئ:
العشيرة ليست جداراً.. بل بيت.
والمثقف ليس غريباً عنه.. بل ابنه.
والتغيير لا يكون بالهدم.. بل بالبناء.

18/10/2026

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

لماذا كانت التضحيات؟

ماجد ع محمد لإبراز الموقف الشخصي من القضايا الساخنة أو الأحداث المهمة، أو لبحث موضوعٍ ما أو التعليق على المجريات الراهنة، يبدأ…