عبداللطيف محمدأمين موسى
إن دلالات الآثار السلبية الناجمة عن طبيعة الأحداث، وما رفقتها من مظاهر سيئة، وشعارات غير وطنية في الدعوة لمظاهر التظاهر اليوم في الحسكة، تجعل من المراقب لفضاء الحدث السياسي والأمني، والمناخ العام السوري الطامح إلى الاستقرار والأمن وإعادة البناء؛ بأن يكون أمام عملية إعادة التفكير المستدعي إلى التقييم السلبي للظواهر وتداعياتها السلبية التي رافقت التظاهرات في محافظة الحسكة، لتتجاوز أموراً عدة في التوقع للمخاطر الأمنية على مستقبل الاستقرار، وجوهر بنية شكل نظام الحكم، ومستقبله في سوريا.
ومن أهم الأمور التي يمكن قراءتها بمنهجية سياسية معتمدة على التحليل في الواقعية السياسية؛ هي أن الدعوات والمظاهر التي رافقت التظاهر في الحسكة اليوم تتعارض وتتجاوز مبادئ الإعلان الدستوري الصادر عن السلطة في دمشق المتعلقة بحرية التظاهر والتعبير المكفولة لكل فرد، لتخرج من نطاقها السليم في التعبير عن الفوضى والفتنة وإحراج السلطة نفسها، والإيحاء بعجزها في القضاء على مفهوم الفوضى وتجاوز التحريض.
وكما أن ضرب السلم الأهلي، ومبادئ التعايش السلمي؛ ستكون بدورها من الأمور المعقدة التي لربما ستقف السلطة عاجزة عن إيجاد الحلول لها في ظل التحديات الفكرية الداخلية المتعلقة ببنية المجتمع السوري، وكذلك تأثيراتها على مستجدات الأحداث والتغيرات الجيوبولتيكية الإقليمية والدولية المرافقة لسير الأحداث في سوريا، من التطرف والإرهاب في ظل سيطرة حكم الجماعات الإسلامية، وحكم الفصائل المسلحة، وسيادة منطق اللادولة، والإرهاب المغذي من سلطة نظام البعث السابق، وديكتاتورية في خلق وتسهيل البيئة لضرب المجتمع السوري، وتفكيك وتشويه قيمه في التعايش السلمي، والتسامح، والإيمان بوحدة المصير المشترك في التعايش بين كافة المكونات والأقليات والفئات السورية.
إن مفهوم الحكومة غير الصحيحة وصعوبة إيفاء السلطة بتعهداتها أمام الدول الإقليمية والعالمية الضامنة والراعية للعملية والمسار السياسي الانتقالي في سوريا؛ ستكون على المحك والإحراج الكبير أمام المجتمع الدولي الذي ينتظر عودة سوريا، وتجاوز حالة الفصائلية ومنطق الثورة إلى حوكمة منطق الدولة في إرساء حالة إعادة البناء، والانطلاق نحو التقدم والاستقرار.
إن التداعيات الخطيرة التي ترافق المظاهر السلبية للتجمع، والدعوة للتظاهر تحت شعارات مختلفة، منها بسط سيادة الدولة على كافة الأراضي السورية؛ ستعيد وضع السلطة في دمشق أمام المزيد من المطالبات بجدية السلطة، ومدى توافر الإرادة الحقيقية لديها في إرساء قيم ومفاهيم الدولة، ومدى جدية خطواتها وجهودها في إتمام عملية الاندماج.
ولا سيما أن عملية الاندماج تخضع لشروط وتفاهمات وضمانات إقليمية ودولية من أجل تطبيقها، لذا فإن جدية عملية الاندماج ستضع السلطة وقسد أمام تحدٍّ مستقبلي متعلق بشكل المنطقة أمام الدول الضامنة والراعية للاندماج، وبذلك تعيد تدويل القضية السورية من جديد.
كل هذه التداعيات المرافقة لمجريات الأحداث في المنطقة بالعموم، والحسكة على وجه الخصوص؛ ستضع المتتبع أمام جملة من التساؤلات حول إمكانية إيفاء السلطة في دمشق بتعهداتها أمام الدول الإقليمية والعالمية في قيادة ورعاية عملية انتقالية سياسية صحيحة تناسب، وتكون بمستوى طموح السوريين، وكذلك بمستوى التطورات والمستجدات الدراماتيكية والأحداث المتسارعة.
ولا سيما الأوضاع في الخليج واليمن والعراق ولبنان، والتطورات المقبلة عليها المنطقة فيما يتعلق بالحرب الأمريكية وإيران، وكذلك مشاريع إسرائيل التي يكرر مسؤولوها بأنهم بصدد إحداث تغيرات جوهرية في المنطقة، وهل ستكون لدى الدولة السورية الفتية، وبكل مشاكلها، القدرة على تحمل تحدياتها في غياب الوحدة والانسجام بين المكونات والأقليات والسلطة في سوريا؟
للإجابة على جملة من هذه التساؤلات المشروعة؛ برأيي السلطة في دمشق أمام جملة من الأمور التي يمكن أن تتبلور على شكل خارطة طريق في مواجهة هذه التحديات، وكذلك بأن تكون لديها القدرة التي تمكنها من أن تكون بمستوى تسارع وتيرة مستجدات الأحداث والتغيرات الجيوبولتيكية على خارطة الصراع في المنطقة.
من أهم هذه الأمور: التخلي عن حالة التهميش والإقصاء والتجاهل التي بدأ المجتمع السوري بكافة مكوناته يشعر بها، ويلامسها في أنها لا تراعي التنوع السوري، وحالة الإصرار على المركزية والصبغة الضيقة ذات اللون الواحد، والتفرد في إدارة السلطة.
ومع غياب التشاركية تفقد مرحلة الانتقال السياسي في سوريا أهم عناصرها؛ وهو التشاركية والديمقراطية في بناء سوريا الحديثة الديمقراطية التعددية التي لا بد أن يتشارك فيها الجميع السلطة وإدارة الموارد، وكما أن العكس من ذلك سيفقد السلطة في سوريا الاحتضان الدولي، وإعادة الفرصة من قبل إدارة ترامب بمسعى دول إقليمية وخليجية.
العمل على إعداد مؤتمر حوار وطني سوري شامل يجتمع فيه السوريون تحت شعار ومنطق إعادة بناء سوريا أولوية قصوى في مواجهة التحديات، ويمهد فيه للإعداد للجنة تعمل على إعداد مسودة دستورية تراعي كافة مطالب السوريين، وتلبي طموحاتهم في الديمقراطية والعدالة والمساواة.
العمل على إعادة التأهيل والإنتاج الفكري والثقافي للمجتمع السوري عبر إرساء ثقافة التعايش السلمي، وإرساء مبادئ التسامح في جعل قيم الثورة السورية مبادئ عملية رمزيتها المحبة والسلام والأخوة بين المكونات والأقليات السورية.
وكذلك العمل على توجيه الإعلام الرسمي والاعتماد عليه في نشر ثقافة الوعي، وتكريس مفهوم الانتماء للهوية السورية الوطنية، وقطع الطريق أمام الاعتماد على منصات التواصل، ومحاولاتها تغذية أفكار متعلقة بالإرهاب والتطرف والفتنة ومحاولات ضرب التعايش بين السوريين، وكما يحدث اليوم في الحسكة، ليكون الدور السلبي لهذه المنصات ودعواتها وأجنداتها أكبر عائق أمام جهود السلطة ومساعيها في بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية.
العمل على تطعيم حالة الاندماج في المناطق الكُردية لتكون ذات فاعلية أكبر في أن تضم مكونات سياسية أخرى مثل المجلس الوطني الكردي في سوريا، وعدم اعتمادها على المناصب الأمنية والإدارية مع قسد والإدارة الذاتية المنحلة وحدها، لتكون بمستوى تطلعات أبناء المنطقة كافة.




