لم يكن الكرد، في جوهر قضيتهم، يبحثون عن حقوق استثنائية، ولا عن امتيازات تُنتزع من حقوق الآخرين. ما طالبوا به، وما زالوا يطالبون به، هو أن يُنظر إليهم بوصفهم شعباً له وجوده وتاريخه وحقوقه، وأن تكون لهم مكانتهم المشروعة في أوطانهم التاريخية، أسوة بسائر شعوب المنطقة، دون زيادة أو نقصان.
ومع ذلك، ظلّت القضية الكردية، لأكثر من قرن، أسيرة مقاربة تقوم على الإنكار أو التأجيل أو الالتفاف على جوهر المشكلة. وكأن الاعتراف بوجود الكرد وحقوقهم القومية والثقافية والسياسية داخل الدول التي يعيشون فيها هو تنازلٌ يُمنح لهم، وليس حقاً أصيلاً من حقوقهم.
المفارقة المؤلمة أن بعض من يُفترض أنهم شركاء في هذه الأوطان يتعاملون مع حقوق الكرد وكأنها انتقاص من حقوقهم هم، وكأن الاعتراف بشعب آخر لا يمكن أن يتحقق إلا على حسابهم. وهذه المعادلة الخاطئة هي أحد الأسباب التي جعلت تاريخ المنطقة مثقلاً بالتوتر والصراعات والحروب، بدلاً من أن يكون تاريخاً للتعايش والشراكة والتكامل.
إن الشراكة الحقيقية لا تعني أن يذوب طرف في طرف، ولا أن يتنازل شعب عن هويته وحقوقه كي يثبت حسن نيته تجاه الآخرين. الشراكة تعني الاعتراف المتبادل، والمساواة في المواطنة، واحترام الخصوصيات والهويات، والقبول بأن الوطن يمكن أن يتسع لأكثر من هوية وأكثر من قومية وأكثر من رواية تاريخية.
والمشكلة لا تكمن في الأنظمة وحدها. فقد يكون إنكار الحقوق من جانب السلطة مفهوماً ضمن منطق الدولة المركزية أو الأيديولوجيات القومية التي حكمت المنطقة، لكن الأكثر إيلاماً حين يتحول المجتمع نفسه إلى حاضنة للإنكار، وحين يصبح الدفاع عن حقوق الكرد مدعاةً للاتهام، بينما يُنظر إلى المطالبة بالمساواة وكأنها مشروع للهيمنة أو الانفصال أو إلغاء الآخرين.
والأخطر من ذلك هو البحث المستمر عن الاستثناءات والثغرات، وعن تصرفات فردية أو مواقف لجماعات لا تمثل الشعب الكردي بمجمله، ثم استخدامها لتعميم الاتهام على ملايين الناس، وتحويل الضحية إلى متهم، والمظلوم إلى ظالم.
لا يمكن بناء العدالة بهذه الطريقة.
فكما لا يجوز تحميل شعب كامل مسؤولية أفعال فرد أو جماعة، لا يجوز أيضاً استخدام أخطاء بعض الكرد ذريعة لإنكار حقوق الكرد جميعاً. وكما يحق لأي شعب أن يُحاسَب على أفعاله ضمن إطار القانون والعدالة، فإن من حق الكرد كذلك ألا يُحاكموا كجماعة بسبب مواقف أو سياسات لا تمثلهم جميعاً.
إن القضية الكردية ليست صراعاً أزلياً مع الشعوب الأخرى، ولا ينبغي أن تكون كذلك. الكرد، مثل غيرهم، يريدون أن يعيشوا بأمان وكرامة، وأن تُحترم لغتهم وثقافتهم وهويتهم، وأن يكون لهم حق المشاركة الحقيقية في إدارة شؤونهم ومستقبل مناطقهم، ضمن صيغ سياسية تحقق العدالة وتحفظ حقوق الجميع.
ولا ينبغي أن يُفهم الاعتراف بحقوق الكرد على أنه انتصار للكرد وهزيمة للآخرين. فالعدالة ليست لعبة صفرية؛ ما يحصل عليه شعب من حقوق مشروعة لا يعني بالضرورة أن شعباً آخر قد خسر حقوقه. بل إن الاعتراف المتبادل بالحقوق هو الذي يخلق أساساً أكثر استقراراً للدولة والمجتمع.
لقد دفعت شعوب المنطقة، والكرد في مقدمتها، ثمناً باهظاً نتيجة سياسات الإنكار والإقصاء والتخوين. أجيال كاملة عاشت تحت وطأة الصراع، ودفعت من دمائها وأمنها واستقرارها ثمناً لخلافات كان يمكن، لو توفرت إرادة سياسية وأخلاقية حقيقية، أن تُحل بالحوار والاعتراف والشراكة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من انتصر على من؟
بل: إلى متى سنستمر في إنتاج الصراع نفسه؟
إلى متى ستُستخدم القومية ضد القومية، والهوية ضد الهوية، والتاريخ ضد التاريخ؟ وإلى متى سيُنظر إلى الاعتراف بالآخر على أنه تهديد للذات؟
لقد آن الأوان للانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن منطق الإنكار إلى منطق الاعتراف، ومن منطق التخوين إلى منطق الحوار.
إن الكرد لا يحتاجون إلى أن يُمنحوا حقوقاً استثنائية، كما لا ينبغي أن يُطلب منهم التنازل عن حقوقهم كي يطمئن الآخرون. المطلوب ببساطة هو معيار واحد للجميع: المساواة والعدالة والاعتراف المتبادل.
فإذا كان لكل شعب الحق في الحفاظ على هويته وكرامته، فهذا الحق يجب أن يكون للكرد أيضاً.
وإذا كانت الشراكة هي الطريق إلى بناء دول مستقرة، فلا يمكن أن تكون شراكة حقيقية من طرف واحد.
أما الاستمرار في إنكار الواقع، أو التعامل مع حقوق الكرد باعتبارها منّة، أو البحث عن ذريعة دائمة لإعادة إنتاج صورة الكردي بوصفه خطراً على الآخرين، فلن يؤدي إلا إلى استمرار دائرة الاحتقان والصراع.
لقد آن الأوان لأن نفهم جميعاً أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على إنكار أحد مكوناتها، وأن سلامها لن يتحقق بإسكات مطالب شعب، بل بالوصول إلى صيغة يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والكرامة والمسؤولية.
فهل آن الأوان لأن يسود منطق العدل والمساواة؟ أم أننا سنترك للأجيال القادمة إرثاً جديداً من الحروب والصراعات التي كان يمكن تفاديها لو اخترنا، في الوقت المناسب، طريق الشراكة والاعتراف؟




