حسن قاسم
يشكل قرار الحكومة العراقية والبنك المركزي العراقي رفع سعر صرف الدولار من نحو 1300 إلى 1520 دينارًا للدولار تطورًا اقتصاديًا مهمًا، لما يتركه من آثار مباشرة على السوق وعلى القدرة الشرائية للمواطن، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود والفئات الفقيرة.
ولا يمكن النظر إلى القرار بمعزل عن الظروف المالية التي يمر بها العراق، في ظل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، والتحديات التي تواجه الصادرات النفطية، فضلًا عن اتساع الفجوة بين النفقات والإيرادات العامة. ومن الطبيعي أن تبحث الحكومة عن وسائل لمعالجة الضغوط التي تواجه الموازنة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يكون المواطن هو الطرف الذي يتحمل الجزء الأكبر من كلفة معالجة الأزمة المالية؟
إن خفض قيمة الدينار أمام الدولار يعني، من الناحية المالية، حصول الدولة على دنانير أكثر مقابل إيراداتها الدولارية، وهو ما قد يساعد في تخفيف جزء من الضغط على الموازنة. غير أن الوجه الآخر للقرار يتمثل في ارتفاع كلفة الاستيراد، وما يمكن أن يترتب عليه من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وبالتالي تراجع القوة الشرائية للمواطن.
وتزداد حساسية الأمر في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، حيث يمكن أن ينعكس ارتفاع سعر الدولار على الغذاء والدواء والملابس وقطع الغيار وغيرها من الاحتياجات اليومية، في وقت تعاني فيه شرائح واسعة أصلًا من ضغوط معيشية واقتصادية.
ومن هنا، فإن معالجة العجز المالي لا ينبغي أن تقتصر على رفع سعر الدولار أو تحميل المواطن المزيد من الأعباء. فهناك أبواب أخرى ينبغي فتحها بجدية، وفي مقدمتها مكافحة الفساد، واسترداد الأموال العامة التي جرى الاستيلاء عليها بطرق غير مشروعة، ومكافحة التهرب الجمركي والضريبي، والحد من الهدر في الإنفاق الحكومي، وإعادة النظر في المؤسسات والشركات العامة التي تستنزف موارد الدولة.
إن استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المتورطين فيها وفق القانون لا يمثلان مجرد مطلب أخلاقي، بل يمكن أن يشكلا موردًا مهمًا للخزينة العامة، خصوصًا إذا كانت الأموال المتحصلة من قضايا الفساد بمبالغ كبيرة كما تشير إليه تقارير وتصريحات رسمية ورقابية متعاقبة.
وفي الوقت نفسه، يحتاج العراق إلى استراتيجية اقتصادية تتجاوز الاعتماد المفرط على النفط، من خلال دعم الزراعة والصناعة والاستثمار والإنتاج المحلي، وتوفير بيئة حقيقية للقطاع الخاص، بما يقلل من الحاجة إلى الاستيراد ويخلق مصادر جديدة للدخل وفرص العمل.
المطلوب إذن ليس رفض القرار بصورة مطلقة، ولا تجاهل التحديات المالية التي تواجه الدولة، وإنما طرح السؤال حول عدالة توزيع أعباء الإصلاح الاقتصادي: هل تتحملها الدولة ومؤسساتها أولًا، أم يتحملها المواطن من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع قدرته الشرائية؟
إن إصلاح المالية العامة لا يبدأ من جيب المواطن وحده، بل يبدأ من حماية المال العام، وملاحقة الفساد، وتقليص الهدر، وترشيد الإنفاق، وتنويع مصادر الدخل.
فالمواطن العراقي الذي تحمل خلال السنوات الماضية أعباء اقتصادية وأمنية واجتماعية كبيرة، يحتاج اليوم إلى سياسات تحمي قدرته على العيش الكريم، لا إلى إجراءات تزيد من صعوبة حياته.
فالمال العام ملك للشعب، ومواجهة عجز الموازنة مسؤولية الدولة، وليس من العدالة أن يكون المواطن البسيط هو الحلقة الأسهل في سلسلة الإصلاح المالي.





