محمد سليم برهك
شهدت منطقة الجزيرة السورية في سبعينيات القرن الماضي واحدة من أكثر القضايا العقارية والديمغرافية تعقيداً وحساسية، حين استغل نظام البعث مأساة إنسانية نجمت عن غمر مياه سد الفرات لقرى وبلدات في ريف الرقة والطبقة، وحوّلها إلى مدخل لتنفيذ سياسة ديمغرافية تركت آثاراً عميقة ما زالت حاضرة حتى اليوم.
فبدلاً من تعويض المتضررين في مناطقهم الأصلية وتأمين حياة مستقرة لهم هناك، نُقلت آلاف العائلات، التي عُرفت لاحقاً باسم “المغمورين”، إلى مناطق في الجزيرة السورية، وتم توطينها على أراضٍ زراعية خصبة على امتداد الشريط الحدودي من ديرك “المالكية” إلى سري كانيه “رأس العين”، ولا سيما ضمن المنطقة المعروفة بـ”الخط العاشر”.
المشكلة لم تكن في العائلات التي فقدت قراها وأراضيها بفعل الغمر، فهي بدورها دفعت ثمن سياسات لم تكن طرفاً في صنعها، وإنما في الطريقة التي استغل بها النظام معاناتها، حين حوّل مأساة إنسانية إلى أداة لتنفيذ مشروع سياسي وديمغرافي على حساب سكان المنطقة الأصليين.
فالأراضي التي جرى الاستيلاء عليها لم تكن مساحات مهجورة بلا أصحاب، وإنما أراضٍ زراعية ارتبطت بعائلات وعشائر كوردية، قبل أن تُنتزع منها بقرارات وتشريعات فرضتها السلطة في إطار ما عُرف بمشروع “الحزام العربي”، الذي ترك آثاراً اجتماعية وديمغرافية وسياسية خطيرة في الجزيرة السورية.
وهنا يجب الفصل بوضوح بين المسؤولية التاريخية للنظام وبين أوضاع العائلات التي نُقلت إلى المنطقة. فالكثير من فلاحي الغمر لم يختاروا مغادرة مناطقهم بإرادتهم، ولم يكونوا أصحاب القرار في رسم السياسات التي انتهت بتوطينهم في أراضي الآخرين، بل وجدوا أنفسهم أيضاً أمام واقع فرضته سلطة استخدمت الجميع لخدمة مشاريعها.
غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني تجاهل حقوق أصحاب الأراضي الأصليين أو القبول باستمرار نتائج السياسات السابقة إلى ما لا نهاية. فالعدالة لا تتحقق بتثبيت الظلم، كما أنها لا تتحقق بصناعة ظلم جديد.
إن معالجة هذه القضية تتطلب إعادة فتح الملفات العقارية بعيداً عن الحسابات السياسية والمصالح الآنية، والعودة إلى الوثائق والسجلات العقارية والطابو والشهادات التاريخية، بهدف تحديد الملكيات الأصلية وإعادة الحقوق إلى أصحابها وفق إطار قانوني واضح وعادل.
ولا يمكن أن تكون العدالة انتقائية. فإذا كانت هناك أراضٍ أُخذت من عائلات كوردية بغير حق، فيجب إعادتها إلى أصحابها، وفي المقابل ينبغي التعامل بالمبدأ نفسه مع أي أرض انتُزعت من عائلة أو قرية عربية أو سريانية أو من أي مكوّن آخر. فالحق لا يتجزأ، والعدالة الحقيقية لا تعرف هوية المظلوم بقدر ما تعترف بحقه.
أما العائلات التي عُرفت بالمغمورين، فلا يجوز تحميلها وحدها مسؤولية السياسات التي فرضتها الدولة السابقة، بل تتحمل الدولة السورية مسؤولية إيجاد حل عادل لأوضاعها، من خلال التعويض المناسب، وتأمين بدائل سكنية وزراعية كريمة، ومعالجة أوضاعها القانونية والإدارية بطريقة تحفظ كرامتها وحقوقها وتمنع وقوع أي ظلم جديد.
كما أن معالجة القيود والسجلات المدنية يجب أن تتم في إطار قانوني ووطني شامل، يزيل الآثار التي خلّفتها السياسات الديمغرافية السابقة، ويعيد تنظيم العلاقة بين السكان والأرض والإدارة على أساس المواطنة والحقوق القانونية، لا على أساس مشاريع التغيير الديمغرافي والصراع القومي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو تحويل هذه القضية من ملف حقوقي وقانوني إلى مواجهة اجتماعية بين الكورد والعرب. فالمستفيد الوحيد من الصدام هو الإرث الذي تركه النظام، ذلك الإرث الذي قام أساساً على زرع الشك والخوف والكراهية بين المكونات السورية.
ولهذا فإن على العائلات والعشائر الكوردية المتضررة، ومنها عائلة آل برهك، أن تواصل تحركها عبر المسار القانوني والحقوقي والمؤسساتي، وأن تتمسك بخطاب واضح يجمع بين المطالبة الصريحة بالحقوق وبين رفض التحريض والانتقام.
المطلوب ليس طرد إنسان مظلوم ليحل محله إنسان مظلوم آخر، ولا فتح أبواب الفتنة بين جيران عاشوا لعقود في منطقة واحدة، بل إزالة نتائج السياسات الجائرة بطريقة تعيد الحق إلى صاحبه وتحفظ كرامة الجميع.
فالجزيرة السورية لا تحتاج إلى حرب جديدة على الأرض، بل إلى عدالة تعالج جراح الماضي. ولا تحتاج إلى خطاب انتقام، بل إلى دولة قانون قادرة على مراجعة القرارات التي ألحقت الظلم بالسكان، وإنصاف أصحاب الحقوق، وتعويض المتضررين، وبناء مستقبل لا تكون فيه الأرض سبباً للصراع بين أبناء الوطن الواحد.
إن تفكيك إرث البعث الحقيقي لا يكون بالشعارات، وإنما بإبطال نتائج سياساته الجائرة، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وحماية السلم الأهلي في الوقت نفسه.
وحدها العدالة القادرة على الجمع بين استرداد الحق وحفظ كرامة الإنسان تستطيع أن تغلق هذا الملف بصورة نهائية، وتجعل الجزيرة السورية فضاءً للعيش المشترك، لا ساحةً تتوارث فيها الأجيال صراعات الماضي.




