مقالات

بعد إسكات السلاح: ماذا سيقدم أردوغان للكرد؟

د. مرشد اليوسف
لم يعد السؤال المركزي في المسار التركي ــ الكردي هو:
هل سيتخلى PKK عن السلاح؟ فقد انتقل هذا الملف إلى مرحلة قانونية ومؤسساتية بعد إعلان حل التنظيم ونزع سلاحه، ثم إقرار البرلمان التركي في آب/أغسطس 2026 قانونًا ينظم نزع السلاح وإعادة الإدماج. وقد أقر القانون بأغلبية واسعة، لكنه بقي محصورًا أساسًا في معالجة تبعات الصراع المسلح، ولم يحسم القضايا السياسية والثقافية الأوسع للكرد.
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب:
ماذا ستقدم الدولة التركية بعد أن ينتهي السبب الذي كانت تستخدمه لتبرير المقاربة الأمنية؟
فالسلام الحقيقي لا يعني فقط أن يتوقف إطلاق النار، وإنما أن تنتقل القضية الكردية من الجبل إلى البرلمان، ومن السلاح إلى الدستور، ومن الملف الأمني إلى الحقوق السياسية والثقافية.
لقد قدم الجانب الكردي، في المسار الحالي، تنازلًا استراتيجيًا بالغ الأهمية:
التخلي عن الكفاح المسلح وحل البنية التنظيمية المسلحة. وفي المقابل قدمت أنقرة حتى الآن إطارًا قانونيًا لإعادة الإدماج وتعليق بعض الملاحقات والأحكام، لكنه ليس عفوًا عامًا، كما أنه لا يتناول بصورة مباشرة قضايا اللغة الكردية، والتعديلات الدستورية، وقوانين مكافحة الإرهاب، والحكم المحلي، ووضع بعض السياسيين والسجناء، أو الوضع القانوني لعبد الله أوجلان.
وهنا تكمن المعادلة التاريخية الجديدة.
إذا كان المطلوب من الكرد أن يثبتوا أنهم اختاروا السياسة بدل السلاح، فعلى الدولة التركية أن تثبت أن السياسة الكردية لن تُعامل بعد اليوم باعتبارها امتدادًا للعمل المسلح.
وهذا يعني أن الاختبار المقبل يجب أن يكون في عدة ملفات:
توسيع المجال السياسي أمام الأحزاب الكردية، وإصلاح بعض قوانين مكافحة الإرهاب، وحماية الإدارة المحلية المنتخبة،وتطوير الحقوق الثقافية واللغوية، ومعالجة أوضاع المعتقلين السياسيين، ثم الوصول في النهاية إلى صيغة دستورية أكثر وضوحًا للمساواة والمواطنة والهوية.
وهذه المطالب ما زالت خارج جوهر القانون الذي أقره البرلمان .
ولا يمكن فصل هذه العملية عن حسابات أردوغان السياسية.
فحزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية لا يمتلكان وحدهما العدد الكافي لبعض المسارات البرلمانية المرتبطة بالتعديلات الدستورية أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، بينما يمتلك حزب DEM الكردي كتلة يمكن أن تكون مؤثرة في الحسابات البرلمانية. لذلك ترى تحليلات سياسية أن عملية السلام تتقاطع بصورة واضحة مع مستقبل أردوغان السياسي.
لكن وجود مصلحة انتخابية لأردوغان لا يعني بالضرورة أن السلام مجرد مناورة انتخابية.
قد تكون المعادلة أكثر تعقيدًا:
أردوغان يريد السلام، ويريد في الوقت نفسه مكاسب سياسية من السلام.
وهذا أمر طبيعي في السياسة. المشكلة تبدأ فقط إذا تحولت القضية الكردية إلى وسيلة للحصول على الأصوات، ثم جرى التخلي عن الإصلاحات بعد تحقيق الغاية السياسية.
ولهذا فإن الكرد لا ينبغي أن يقيسوا صدق أردوغان بكلامه، بل بما سيأتي بعد نزع السلاح.
أما إذا كان المقابل هو:
أنتم سلمتم السلاح، ونحن أنهينا الحرب، وانتهى الأمر
فإن تركيا تكون قد أنهت الصراع المسلح، لكنها لم تحل بالضرورة القضية الكردية.
وهنا يجب التمييز بين الأمرين بدقة.
فالـPKK ليس هو الشعب الكردي، كما أن حل PKK لا يعني حل المسألة الكردية. هناك ملايين الكرد داخل تركيا لهم حقوق سياسية وثقافية ولغوية ومواطنة، وهذه الحقوق لا ترتبط بالسلاح ولا ينبغي أن تتوقف على وجود تنظيم مسلح أو غيابه.
لذلك فإن المرحلة القادمة ينبغي أن تكون، بالنسبة للكرد، انتقالًا من منطق التنازلات الأمنية إلى منطق الحقوق السياسية.
لقد كان السلاح طوال عقود هو عنوان العلاقة بين الدولة وPKK. وإذا اختفى السلاح، فينبغي أن يختفي معه تدريجيًا المنظور الأمني للقضية الكردية.
وهنا يمكن أن تصبح المسألة أكثر عمقًا:
الكرد قدموا للدولة التركية شرط الأمن، وعلى الدولة أن تقدم للكرد شرط الحرية والمساواة.
وهذه هي المعادلة التي يمكن أن تصنع سلامًا دائمًا.
أما إذا بقيت الحقوق الكردية مؤجلة إلى ما لا نهاية بحجة أن الأولوية الآن هي نزع السلاح، فإن الشكوك ستزداد، خصوصًا أن القانون الحالي نفسه لا يحسم القضايا الأوسع المتعلقة بالحقوق السياسية والثقافية.
لا شك إن المرحلة الحالية يمكن أن تكون واحدة من أهم التحولات في تاريخ تركيا الحديث، لكن نزع السلاح ليس نهاية الطريق. بل بداية الامتحان الحقيقي.
فأردوغان أمام خيارين سياسيين: أن يجعل إنهاء PKK مدخلًا إلى حل القضية الكردية، أو أن يكتفي بتحويلها من قضية أمنية مسلحة إلى قضية سياسية تحت السيطرة.
والفارق بين الاثنين كبير جدًا.
فإذا أعقب السلاحَ إصلاحٌ دستوري، وأعقب نزعَ السلاح اعترافٌ أوسع بالحقوق، وأعقب المصالحةَ اندماجٌ سياسي حقيقي، فإن أردوغان يكون قد انتقل من إدارة القضية الكردية إلى حلها. أما إذا انتهى كل شيء عند حدود نزع السلاح، فسوف يكون قد أنهى حربًا طويلة، لكنه لم يُنهِ القضية التي كانت وراءها.
وهنا تحديدًا ستظهر الإجابة عن السؤال الذي طرحناه:
هل كان أردوغان يريد السلام مع الكرد، أم كان يريد فقط السلام من الكرد؟

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب