نعم، دولة كما يصفها رئيسها رجب طيب أردوغان، دولة تمتد جذورها آلاف السنين في عمق التاريخ، وتمتلك قوة عسكرية كبيرة، وتُعد من الدول ذات الجيوش القوية في العالم.
وهو، إلى جانب ذلك، يعتبر نفسه ممثلًا لدولة ذات مكانة تاريخية ودينية كبيرة، ويقدم تركيا باعتبارها دولة ديمقراطية.
لكن كيف يمكن لدولة بكل هذه القوة أن تخشى طفلًا كرديًا لمجرد أنه يغني باللغة الكردية، احتفالًا بفوز فريق كرة القدم العائد إلى مدينة آمد، وهو فريق كردي؟ وكيف يمكن أن يصل الأمر إلى إغلاق حساب هذا الطفل؟
كيف يمكن تفسير ذلك؟
دولة تخشى كلمة يغنيها طفل كردي! هل يمكن تفسير هذا الأمر إلا باعتباره مؤشرًا على وجود مشكلة حقيقية مع حرية التعبير واللغة الكردية؟
فالمنع والتضييق على التعبير باللغة الكردية، عندما يحدث، يطرح أسئلة كبيرة حول مدى تقبّل الدولة للتنوع اللغوي والثقافي داخل المجتمع.
وبرأيي، فإن إغلاق حساب طفل كردي بسبب غنائه باللغة الكردية يكشف، قبل كل شيء، عن حساسية كبيرة تجاه اللغة الكردية والجمهور الكردي، حتى عندما يتعلق الأمر بطفل.
لقد عانى الكرد في تركيا لعقود طويلة من سياسات الإنكار والتضييق على هويتهم ولغتهم، وكانت مظاهر الهوية الكردية، في مراحل مختلفة، موضع قيود وضغوط شديدة. وفي بعض الفترات، كان استخدام اللغة الكردية في المجال العام يعرّض أصحابه للملاحقة والمحاكمة.
نعم، كان هناك إنكار للهوية الكردية في كثير من مظاهر الحياة، ومحاولات لتقييد كل ما يرتبط بالهوية واللغة والثقافة الكردية.
واللافت أن يأتي هذا المنع، وإغلاق حساب طفل كردي احتفل بفوز فريق آمد سبور، في وقت تجري فيه نقاشات وتحركات سياسية مرتبطة بالقضية الكردية، وفي ظل خطوات أعلنها حزب العمال الكردستاني (PKK) من جانبه باتجاه حل القضية الكردية في تركيا.
ومن هنا يطرح الأمر سؤالًا أساسيًا:
إذا كانت تركيا تتحدث عن مرحلة جديدة وعن إمكانية معالجة القضية الكردية، فهل تتناسب مثل هذه الإجراءات مع خطاب الانفتاح والحل السياسي؟
وبرأيي، فإن استمرار مثل هذه الإجراءات يثير الشكوك حول مدى جدية النظام التركي في معالجة القضية الكردية معالجة سياسية حقيقية، لأن القضية الكردية ليست مجرد قضية أمنية أو سياسية عابرة، بل هي قضية مرتبطة بالهوية واللغة والحقوق والوجود الكردي في المنطقة.
قد تكون هناك تفسيرات أخرى لهذا الإجراء، وقد تقول السلطات التركية إن إغلاق الحساب لا علاقة له باللغة الكردية أو بالهوية الكردية، ولذلك تبقى معرفة الأسباب الرسمية الدقيقة أمرًا مهمًا.
لكن عندما يتعلق الأمر بطفل يغني بلغته الأم، فإن مجرد حدوث مثل هذا الإجراء يطرح سؤالًا أكبر من إغلاق حساب على وسائل التواصل الاجتماعي:
لماذا تبقى اللغة الكردية، حتى بعد كل هذه السنوات، قادرة على إثارة كل هذا القدر من الحساسية؟