هناك سؤال واحد ينبغي ألا يخشاه أي كيان فردي أو جماعي يدعي قيادة الكورد وتمثيلهم والتحدث باسمهم: من منحكم هذا الحق؟
ليس السؤال استفزازاً، ولا محاولة لتجريد أحد من دوره، بل هو أبسط أسئلة السياسة وأكثرها إلحاحاً. فمن يتحدث باسم شعب، ويتفاوض باسمه، ويبرم اتفاقات قد ترسم مستقبله، لا يكفي أن يملك حزباً أو تنظيماً أو نفوذاً ميدانياً أو دعماً خارجياً. عليه أن يملك شيئاً أهم: التفويض.
في الساحة الكوردية السورية، تعددت الأطر والقيادات والمبادرات، لكن السؤال عن مصدر الشرعية ظل في كثير من الأحيان أقل حضوراً من السؤال عن توزيع النفوذ والمقاعد.
وكأن المشكلة أصبحت: من يدخل إلى غرفة القرار؟
بينما السؤال الذي يجب أن يسبق ذلك هو: من فوّضه بالدخول؟
ينبغي أن تُقال بوضوح، حتى لو كانت مزعجة:
الشعب الكوردي ليس حزباً، والحركة الكوردية ليست ملكية خاصة لأي تنظيم، والقرار القومي ليس تفويضاً مفتوحاً لقيادات بعينها.
الأحزاب جزء أساسي من الحياة السياسية، لكنها ليست الشعب كله.
هناك المستقلون، والمثقفون، والحقوقيون، والنخب السياسية والثقافية، ومنظمات المجتمع المدني، والنساء والشباب، والفعاليات الاجتماعية والوطنية، وهناك أيضاً تيارات وأصوات قد لا تجد نفسها داخل الأطر الحزبية القائمة.
فبأي منطق يمكن لشخص أو حزب، مهما كان حجمه أو تاريخه، أن يقول: أنا أمثل الجميع؟
وبأي حق تستطيع مجموعة من القيادات أن تتخذ قراراً مصيرياً ثم تطلب من المجتمع أن يكتشف لاحقاً أنه كان ممثلاً فيه؟
الشرعية ليست إرثاً ولا استحقاقاً
قد تكون بعض القيادات قد اكتسبت شرعيتها في ظروف النضال، وقد تكون قد دفعت أثماناً سياسية وبشرية كبيرة، وقد تكون لها أدوار تاريخية لا يمكن إنكارها.
لكن التاريخ لا يمنح تفويضاً أبدياً.
شرعية الأمس لا تكفي لاتخاذ قرارات الغد.
فالقيادة التي كانت ضرورية في مرحلة معينة قد تحتاج إلى تجديد شرعيتها في مرحلة أخرى. والواقع السياسي الذي أنتج قيادة معينة قد يتغير، كما تتغير المجتمعات والأولويات وموازين القوى.
ومن هنا، فإن الشرعية ليست شهادة تُعلّق على الجدار.
إنها علاقة مستمرة بين القيادة والمجتمع، أساسها الثقة والتفويض والمساءلة والإنجاز.
من يرفض الانتخابات لا يستطيع أن يطالب بالشرعية الكاملة
إذا كانت هناك إمكانية لانتخابات حرة ونزيهة، فلتكن الانتخابات هي الفيصل.
وإذا كانت الظروف لا تسمح بذلك، فليكن هناك مؤتمر وطني كوردي حقيقي، لا مجرد اجتماع لتثبيت تفاهمات مسبقة، بل مؤتمر يقوم على قواعد تمثيل واضحة، ويضم الأحزاب والتيارات والشخصيات المستقلة والفعاليات المجتمعية، وينتج قيادة ذات تفويض محدد وصلاحيات معلنة.
أما أن تتعذر الانتخابات، ثم يصبح البديل هو استمرار القيادات نفسها إلى أجل غير محدد (أي إعادة التدوير والانتاج)، فهنا تبدأ أزمة الشرعية.
لا يمكن أن يكون غياب الانتخابات سبباً لإلغاء مبدأ التفويض.
وفي هذا السياق، كان كونفرانس 26 نيسان 2025 لوحدة الموقف والصف الكوردي خطوة سياسية مهمة، لكن أهميته الحقيقية ستتوقف على ما إذا كان قادراً على التطور من محطة سياسية إلى مسار مؤسسي أكثر شمولاً وتمثيلاً، وعلى الاستفادة من تجربته وتصحيح ما رافقها من ثغرات وهفوات.
الوحدة ليست أن يجلس الجميع إلى الطاولة
هذه أيضاً حقيقة ينبغي قولها بلا تردد:
ليس كل اجتماع وحدة، وليس كل اتفاق إجماعاً، وليس كل توقيع تفويضاً شعبياً.
يمكن لقيادات الأحزاب أن تتفق، لكن اتفاقها لا يصبح تلقائياً إجماعاً مجتمعياً.
ويمكن لمجموعة سياسية أن تتوافق على أسماء، لكن توافقها لا يمنح تلك الأسماء بالضرورة شرعية شعبية.
الوحدة الحقيقية لا تُقاس بعدد القادة حول الطاولة، بل بعدد الأصوات التي تشعر بأنها ممثلة خارجها.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول فكرة الوحدة إلى محاصصة مقنّعة: لكل حزب حصته، ولكل قيادة موقعها، ثم يُطلب من المجتمع أن يصفق للنتيجة باسم الوحدة.
إنها إدارة للخلاف تحت عنوان الوحدة.
ومتى تصبح القيادة عبئاً على القضية؟
عندما يصبح الحفاظ على الكرسي أهم من تحقيق الهدف.
عندما تتحول المناصب إلى مواقع دائمة.
عندما تصبح المحاسبة مؤامرة.
عندما تُقدّم الولاءات الحزبية على المصلحة العامة.
وعندما تصبح العلاقات الخارجية (الكوردستانية والاقليمية والدولية) مصدراً للشرعية الداخلية.
هنا لا تعود المشكلة في ضعف القيادة فقط، بل في النظام السياسي الذي يسمح بإعادة إنتاج القيادة نفسها بلا تفويض متجدد.
والقيادة التي لا تحقق نتائج ملموسة في الحقوق السياسية والقومية والوطنية، وفي الملفات الأمنية والاقتصادية والمعيشية والخدمية، لا يمكنها أن تطلب من المجتمع الانتظار إلى ما لا نهاية.
الناس لا تمنح الشرعية لكي يحصل المسؤولون على المناصب؛ بل تمنحها لكي تُنجز المسؤوليات وتؤدي الواجبات وتحقق الغايات .
العمق الكوردستاني لا يعني التبعية
من الخطأ وضع استقلال القرار الكوردي السوري في مواجهة العمق الكوردستاني.
العلاقات الكوردستانية ضرورة طبيعية وسياسية، والتنسيق والتشاور والتعاون في القضايا المشتركة يمكن أن يكون رصيداً مهماً.
لكن هناك خطاً فاصلاً بين التضامن وبين الوصاية.
بين التعاون وبين التبعية.
بين الاستفادة من العلاقات الإقليمية وبين تحويل الخارج إلى مصدر للشرعية الداخلية.
المرجعية التي تحتاج إلى الخارج كي تثبت شرعيتها أمام شعبها ستظل تعاني من أزمة شرعية.
القرار الكوردي السوري يجب أن يكون سورياً في مصدر تفويضه، كوردستانياً في عمقه وتضامنه، ومستقلاً في خياراته.
لا نحتاج إلى مرجعية جديدة بالاسم القديم أو النمط المعتاد.
المطلوب ليس مجرد تغيير أسماء أو إعادة توزيع المقاعد.
المطلوب تغيير قواعد اللعبة.
إذا تشكلت مرجعية جديدة بالأساليب والآليات القديمة نفسها، وبالمحاصصة والمحسوبيات نفسها، وبالعقلية نفسها، فلن يكون قد حدث شيء سوى تغيير الواجهة والشكل والعنوان.
المرجعية التي يحتاجها الكورد يجب أن تقوم على أربعة أشياء لا يمكن التفاوض عليها:
تمثيل حقيقي، قرار مستقل، كفاءة سياسية، ومساءلة دائمة.
ويجب أن تكون صلاحياتها محددة، ومدة تفويضها واضحة، وآليات مراجعتها معلنة.
أما السؤال عن الأسماء، فيأتي بعد الاتفاق على القواعد.
فالمرجعية التي تبدأ بالأسماء قبل القواعد معرضة لأن تتحول إلى صفقة؛ أما المرجعية التي تبدأ بالقواعد فقد تتحول إلى مؤسسة.
أمام الكورد فرصة لا تحتمل التضييع من الضروري استغلالها
سوريا تدخل مرحلة إعادة تشكيل سياسي ودستوري، وأي فراغ في التمثيل الكوردي الشرعي سيملؤه الآخرون.
لهذا لا يكفي أن تكون المطالب الكوردية عادلة؛ يجب أن تكون هناك جهة تمتلك شرعية الحديث عنها، وقدرة الدفاع عنها، ومؤسسات تحملها، ومجتمع يشعر أن هذه المؤسسات تمثله فعلاً.
والقضية الكوردية ليست قضية خارج سوريا، ولا ينبغي أن تكون مشروع عزلة عنها.
المطلوب هو المشاركة في بناء سوريا جديدة: سوريا المواطنة المتساوية، والشراكة الحقيقية، والديمقراطية، والعدالة، واللامركزية، والتعددية، والاعتراف الدستوري بحقوق جميع مكوناتها القومية والدينية والثقافية، وفي مقدمتها الشعب الكوردي.
وهذا يتطلب شريكاً كوردياً قوياً سياسياً، لا بسبب قوته الحزبية، بل بسبب قوة تفويضه الشعبي.
ربما آن الأوان لأن يصبح هذا السؤال جزءاً طبيعياً من الثقافة السياسية الكوردية.
وإذا كانت أي قيادة واثقة من شرعيتها، فلا ينبغي أن تخشاها.
أما إذا أصبح مجرد طرح هذه الأسئلة اتهاماً أو تخويناً أو خروجاً عن الصف، فالمشكلة ليست في السؤال.
لقد حان الوقت لكي تتوقف السياسة الكوردية عن البحث أولاً عن الأشخاص الذين سيمثلون الشعب (بطريقة التعيين أو التذكية عبر صفقات وتوافقات)، وأن تبدأ بالبحث عن القواعد والشروط التي تمنح هؤلاء الأشخاص حق القيادة والتمثيل.
فالشرعية لا تُمنح في الغرف المغلقة والكواليس، ولا تُورّث، ولا تُشترى بالعلاقات، ولا تُفرض بالقوة.
الشرعية تفويض.
والتفويض مسؤولية.
والمسؤولية مساءلة.
ومن دون ذلك، لا تكون هناك مرجعية سياسية، بل مجرد سلطة تتحدث باسم شعب ظلماً وبهتاناً لم يسألها أحد إن كان قد فوّضها▪︎