مقالات

استفتاء جنوب كوردستان ٢٠١٧/٩/٢٥ بين حق تقرير المصير وصمت العلم

مزكين حاجو 

أجرت حكومة إقليم كردستان العراق، بقيادة مسعود بارزاني، استفتاءً على الاستقلال شمل الإقليم والمناطق المتنازع عليها (وعلى رأسها كركوك)، رغم دعوات عراقية وإقليمية ودولية متكررة لتأجيله. وقد أظهرت النتائج التمهيدية تصويت اكثر من 92% لصالح الاستقلال بنسبة مشاركة بلغت 72%. أعلنت حكومة الإقليم حينها أن الاستفتاء لن يُترجم إلى إعلان استقلال فوري، بل سيكون أساسًا لمفاوضات مع بغداد.

حجة الشرعية

المدافعون عن الاستفتاء يستندون إلى أن حق تقرير المصير مبدأ منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة (المادة الأولى) والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان لعام 1966، وأن الأكراد – كأكبر قومية بلا دولة في العالم – تعرضوا لعقود من القمع والإبادة (الأنفال، حلبجة)، مما يمنحهم شرعية أخلاقية وقانونية للسعي نحو الاستقلال. من هذا المنظور، الاستفتاء لم يكن أكثر من تعبير سلمي وديمقراطي عن إرادة شعب.

لماذا عارضه العالم؟

المعارضة الدولية لم تكن موقفًا واحدًا، بل تقاطعت فيها حسابات متعددة:

– بغداد: اعتبرت الحكومة العراقية الاستفتاء خرقًا للدستور ووحدة الدولة، وقضت المحكمة الاتحادية العليا لاحقًا بعدم دستوريته وألغت جميع النتائج المترتبة عليه.

– تركيا وإيران: تخشى الدولتان من تأثير الدومينو على أقلياتهما الكردية الكبيرة، ولذلك هددتا بإجراءات اقتصادية وأمنية.

– الولايات المتحدة والغرب: رغم التحالف الوثيق مع البشمركة في الحرب على داعش، رأت واشنطن أن التوقيت خطير – فالحرب لم تكن قد حُسمت بعد، والاستفتاء قد يفكك التحالف ضد داعش ويفتح جبهة صراع داخلي بين الحكومتين.

– الدول العربية: عبّرت جامعة الدول العربية عن رفضها بدعوى الحفاظ على وحدة العراق وتفادي أي صدام قد يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين.  (الوكالة السعودية)

– غياب اعتراف دولي فعلي: لم تعترف أي دولة بنتيجة الاستفتاء، وحتى إسرائيل التي أبدت تعاطفًا لم تترجم ذلك لدعم دبلوماسي فعلي.

باختصار: “الصمت” لم يكن حيادًا بقدر ما كان انحيازًا ضمنيًا لمبدأ سيادة الدول القائمة على مبدأ حق تقرير المصير – وهو توتر كلاسيكي في القانون الدولي بين المبدأين.

التداعيات على الوضع الكردي اليوم

– خسارة كركوك: بعد أيام من الاستفتاء، استعادت القوات العراقية والحشد الشعبي كركوك والمناطق المتنازع عليها دون مقاومة تُذكر، وهي أكبر خسارة استراتيجية للإقليم منذ 2003.

– استقالة بارزاني: تحمّل بارزاني مسؤولية تداعيات إصراره على الاستفتاء، وقرر التنحي عن رئاسة الإقليم ونقل صلاحياته إلى الحكومة والبرلمان اعتبارًا من نوفمبر 2017.

– أزمة اقتصادية وسياسية ممتدة: عقوبات على المطارات والمنافذ الحدودية، وتوقف حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية لسنوات، وأزمات رواتب متكررة.

– انقسام البيت الكردي: تعمّق الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (هولير) والاتحاد الوطني الكردستاني (السليمانية)، وتزايد النفوذ الإيراني في الأخير.

– تراجع الزخم نحو الاستقلال: تحوّل الخطاب السياسي الكردي بعد 2017 من “الاستقلال” إلى “تحسين شروط البقاء ضمن العراق الفيدرالي” عبر التفاوض على النفط والموازنة والمناطق المتنازع عليها.

الاستفتاء كشف الفجوة بين المشروعية القانونية/الأخلاقية لحق تقرير المصير من جهة، وموازين القوى الجيوسياسية الفعلية من جهة أخرى. فالحق المنصوص عليه دوليًا لا يُترجم عمليًا دون غطاء إقليمي أو دولي حقيقي، وقد أثبتت التجربة أن إرادة شعب – مهما كانت واضحة في صناديق الاقتراع – تصطدم بحسابات الدول الكبرى ومصالح الجوار الإقليمي.

 

السويد 2026/9/25

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب