مقالات

من أخطاء الحركة السياسية الكردية… إهمال التوثيق

عمر رمضان
من الأخطاء الكبيرة التي رافقت مسيرة الحركة السياسية الكردية في سوريا، افتقارها إلى مشروع جاد ومنهجي لتوثيق تاريخها، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة، بعيداً عن الانتقائية والذاكرة الفردية.
فالكثير مما نعرفه اليوم عن البدايات الأولى للحركة الكردية، ولا سيما عن الخلايا الأولى التي مهدت لولادة أول حزب كردي في سوريا، وصل إلينا عبر الذاكرة الشخصية لمن عاصروا تلك المرحلة. والذاكرة، مهما كانت صادقة، تبقى عرضة للنسيان والانتقاء وتأثير الزمن واختلاف زوايا النظر.
أما المذكرات التي كتبها بعض المناضلين، وهي جهود تستحق التقدير من حيث المبدأ، فقد بقي معظمها في إطار التجربة الشخصية لصاحبها، وفي حدود البيئة التنظيمية والسياسية التي تحرك فيها، خصوصاً في ظل الانشقاقات المتتالية التي عصفت بالحزب الوليد، ثم بالأحزاب والتنظيمات التي خرجت من عباءته.
وهنا تكمن المشكلة الأكبر.
عندما يغيب التاريخ الموثق، تملأ الفراغَ الروايات الشخصية. وعندما تتعدد الروايات من دون وثائق ومصادر يمكن العودة إليها، يصبح من السهل أن تتحول المذكرات من شهادة على التاريخ إلى محاولة لإعادة صياغة التاريخ.
وقد يلجأ البعض، عن قصد أو عن غير قصد، إلى تضخيم دوره في مرحلة معينة، أو التقليل من أدوار آخرين، أو تقديم الأحداث من زاوية تخدم صورته الشخصية وموقعه السياسي. وقد يصل الأمر أحياناً إلى تشويه بعض الشخصيات أو تبرئة أخرى، وإعادة ترتيب الوقائع بما ينسجم مع الرواية التي يريد صاحب المذكرات أن تبقى للأجيال.
وهذا لا يعني التشكيك في كل المذكرات، ولا إنكار قيمة الشهادات الشخصية؛ فشهادات الجيل الأول كنز تاريخي لا يمكن التفريط به. لكن الشهادة الشخصية يجب أن تكون جزءاً من التاريخ، لا التاريخ كله.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل من تاريخ الأشخاص إلى توثيق التاريخ.
بحاجة إلى جمع الوثائق الحزبية، والبيانات، والنشرات، والمراسلات، ومحاضر الاجتماعات، والصور، والشهادات الشفوية، والرسائل الشخصية، والوثائق الرسمية، وشهادات مختلف الأطراف، ثم ترتيبها زمنياً ومقارنتها وتحقيقها، حتى نترك للأجيال القادمة مادة تستطيع من خلالها أن تقرأ تاريخ الحركة السياسية الكردية كما حدث، لا كما يرغب البعض أن يُروى.
إن توثيق التاريخ ليس تكريماً لشخص، ولا إدانة لشخص آخر.
التاريخ ليس ملكاً لمن عاشه وحده، بل هو أمانة في أعناق من عاشوه تجاه من سيأتون بعدهم.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله بتاريخ حركتنا السياسية هو أن نتركه رهينة الذاكرة الفردية، أو أن نسمح بأن يكتبه كل شخص وفقاً لحجم الدور الذي يريد أن يمنحه لنفسه.
ربما آن الأوان لفتح هذا الملف بهدوء ومسؤولية، قبل أن يرحل من تبقى من شهود تلك المرحلة، وقبل أن تضيع الوثائق وتختلط الذاكرة بالرواية، ويصبح من الصعب التمييز بين ما حدث فعلاً، وما نتذكر أنه حدث، وما نريد أن يعتقد الآخرون أنه حدث.
فالأجيال القادمة لا تحتاج منا إلى تاريخ مُجمَّل أو مُشوَّه…
بل تحتاج إلى الحقيقة بكل تعقيداتها، بما لها وما عليها.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب