مقالات

سوريا تحتاج إلى الصبر… لكنها تحتاج قبل ذلك إلى إدارة رشيدة

اكرم حسين

كتب الدكتور عبد الله المحيسني كلاماً يستحق التوقف عنده حول حجم التحديات التي تواجه سوريا في مرحلة ما بعد الحرب. فالرجل جزاه الله خيراً ، يتحدث عن بلد أنهكته سنوات طويلة من الحرب، وعن مؤسسات وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل، وعن طرق ومدارس ومستشفيات وخدمات ومؤسسات حكومية تحتاج إلى أموال ووقت وجهد كبير حتى تستعيد عافيتها. وضرب مثالًا من محافظة حمص، التي قال إنها تحتاج وحدها إلى قرابة ألف سيارة مخصصة للنظافة، بتكلفة تقارب أربعين ألف دولار للسيارة الواحدة، أي نحو أربعين مليون دولار في بند واحد وفي محافظة واحدة.

لا شك أن هذه الأرقام تعكس حجماً هائلاً من الاحتياجات، ولا أحد يستطيع أن يُنكر أن إعادة بناء سوريا لن تكون مهمة سهلة، وأن ما دُمر خلال سنوات طويلة لا يمكن أن يعود في بضعة أشهر ،  ومن الطبيعي أن تحتاج الدولة إلى ترتيب أولوياتها، وأن تعمل بالتدرج، وأن تتعاون مع القطاع الخاص والمجتمع، وأن تطلب من المواطنين شيئًا من الصبر حتى تبدأ عجلة البناء بالدوران.

لكني، مع ذلك، أختلف مع الدكتور المحيسني في نقطة أراها أساسية:

فحجم الخراب لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير دائم لكل نقص، ولا إلى مبرر مُسبق لكل تقصير، والأهم من ذلك ألا نضع المواطن أمام خيار الصمت على معاناته بحجة أن الدولة ورثت تركة ثقيلة؟

السوريون يعرفون حجم الخراب أكثر من أي أحد. هم الذين عاشوا الحرب، وفقدوا أبناءهم، وتركوا بيوتهم، وشاهدوا مدنهم وقراهم وهي تُدمّر، وعانوا الفقر وانهيار الخدمات لسنوات. ولذلك فإن مطالبتهم بالصبر ليست المشكلة، وإنما المشكلة هي أن يتحول الصبر إلى بديل عن المساءلة، أو أن يُطلب من المواطن أن يتحمل وحده كلفة مرحلة يُفترض أن تتحمل الدولة مسؤوليتها الأساسية.

ثم إن علينا أن نكون أكثر دقة عندما نصف سوريا بأنها دولة فقيرة لا تملك الموارد اللازمة.

سوريا ليست دولة بلا موارد. لديها أرض وزراعة ومياه وثروات طبيعية ونفط وغاز، ولديها موقع جغرافي يمكن أن يجعلها مركزاً مهماً للتجارة والنقل، ولديها إمكانات صناعية وسياحية كبيرة، ولديها شعب يمتلك من الطاقات والكفاءات ما يكفي لبناء اقتصاد قادر على النهوض إذا توفرت له البيئة المناسبة.

ولدى الدولة أيضاً مصادر دخل أخرى: الضرائب والرسوم والجمارك، وإيرادات المؤسسات والوزارات، ورسوم المعابر والمرافئ، وغيرها من الموارد التي يمكن أن تُشكّل، إذا حُصّلت بكفاءة وأُديرت بشفافية، جزءاً مهماً من قدرة الدولة على تمويل خدماتها الأساسية.

وهناك أيضاً ملف الأموال والعقارات التي ارتبطت برجالات النظام السابق. فإذا كانت هناك أموال أو عقارات ثُبت قضائياً أنها أموال عامة أو أنها تحصّلت بصورة غير مشروعة، فإن استردادها وإعادتها إلى الخزينة العامة يمكن أن يُسهم في تمويل جزء من احتياجات الدولة ، وهذا ليس انتقاماً من أحد، بل تطبيق للقانون وحماية للمال العام، بشرط أن يتم ذلك من خلال القضاء والمؤسسات المختصة وبشفافية تامة.

لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس فقط: كم تحتاج سوريا من الأموال؟

بل السؤال الأهم: كيف تدير سوريا الأموال التي لديها؟

وهنا نصل إلى لُبّ المسألة.

إذا كانت موارد الدولة محدودة قياساً بحجم الاحتياجات، فإن أول واجب على الحكومة هو أن تُنفق كل مورد في مكانه الصحيح. لا يمكن أن تكون الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق والنظافة والخدمات الأساسية في حاجة إلى الأموال، بينما تستمر في الوقت نفسه مظاهر الإنفاق التي يمكن الاستغناء عنها.

الدولة التي تمر بمرحلة إعادة بناء لا تحتاج إلى استعراض قوة الدولة من خلال مواكب طويلة من السيارات الفارهة، ولا تحتاج إلى سيارات «تاهو» تقف خلف كل مسؤول لمجرد أن يظهر بمظهر المسؤول الكبير. لا يحتاج المواطن الذي ينتظر إصلاح شبكة المياه أو تعبيد طريق أو تجهيز مستشفى إلى أن يرى أمامه موكباً من السيارات المُكلفة.

هذه ليست قضية شكلية.

إنها قضية سياسية وأخلاقية تتعلق برسالة الدولة إلى المجتمع.

عندما يرى المواطن أن الدولة تطلب منه أن يتحمل ويصبر، ثم يرى مسؤولا ًيعيش في مستوى من الرفاه بعيداً عن واقعه، فإن المشكلة لا تعود مشكلة نقص في المال فقط، وإنما تصبح مشكلة ثقة.

وإذا كانت سوريا فعلًا تمر بمرحلة استثنائية، فإن التقشف يجب أن يبدأ من أعلى هرم السلطة، لا من المواطن الفقير.

لا أعتقد أن المسؤول الحكومي ينبغي أن يعيش حياة البذخ في بلد ما زال يعاني من آثار الحرب ، ولا أعتقد أن من المقبول أن يتقاضى مسؤول راتباً ومخصصات تصل إلى آلاف الدولارات شهرياً في وقت يعجز فيه كثير من السوريين عن تأمين أبسط احتياجاتهم.

المسؤول، بطبيعة الحال، يحتاج إلى راتب يحفظ كرامته ويتناسب مع مسؤولياته، ويجب أن تكون لديه الإمكانات التي تمكنه من أداء عمله. لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن يحصل المسؤول على أجر عادل، وبين أن يتحول المنصب العام إلى باب للثراء والامتيازات.

المسألة ليست ضد المسؤول، وليست دعوة إلى أن يعيش في الفقر، وإنما هي دعوة إلى أن يكون قدوة في مرحلة صعبة.

فكيف يمكن أن تطلب من موظف أو عامل أو مزارع أو صاحب متجر أن يتحمل ظروفاً اقتصادية قاسية، بينما يرى كبار المسؤولين يعيشون في عالم مختلف تمامًا؟

الدولة التي تريد من شعبها أن يشد الحزام، يجب أن تشد الحزام أولًا.

والدولة التي تطلب من المواطنين التضحية، يجب أن يرى المواطن أن المسؤولين يضحون أيضاً.

والدولة التي تقول إنها لا تملك المال الكافي لكل شيء، عليها أن تشرح للناس أين تذهب الأموال التي تملكها.

من هنا تأتي أهمية الشفافية. من حق السوري أن يعرف حجم الإيرادات العامة، ومصادرها، وأوجه إنفاقها. من حقه أن يعرف حجم الإنفاق على الوزارات، وحجم مخصصات كبار المسؤولين، وتكلفة السيارات والمواكب والسفر والضيافة، وأن يعرف كم تنفق الدولة على الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والطرق.

ليس في ذلك إضعاف للدولة، بل العكس تماماً.

الدولة القوية ليست الدولة التي تخفي أرقامها، وإنما الدولة التي تستطيع أن تقدم حساباً واضحاً لمواطنيها.

ولذلك فإنني أتفق مع المحيسني في أن إعادة البناء تحتاج إلى صبر، لكنني أضيف: الصبر لا يعني إعفاء الحكومة من المسؤولية، كما أن دعم الدولة لا يعني التخلي عن حق المواطن في النقد والمساءلة.

المواطن السوري ليس بحاجة إلى من يشرح له أن البلد مدمر ، هو يعرف ذلك. ما يحتاج إلى معرفته هو أن هناك خطة واضحة، وأن الأولويات محددة، وأن الموارد تُدار بكفاءة، وأن المال العام محمي، وأن الفساد ليس طريقاً للثراء، وأن المسؤول لا يعيش فوق واقع الناس.

لا يمكن إعادة بناء سوريا بمجرد ضخ الأموال. فالأموال يمكن أن تُهدر، والمشاريع يمكن أن تتضخم تكاليفها، والعقود يمكن أن تتحول إلى أبواب للفساد، والموارد الطبيعية يمكن أن تتحول إلى مصدر ثراء لفئة قليلة إذا غابت الرقابة.

ما تحتاجه سوريا هو إدارة تعرف أن كل ليرة من المال العام لها قيمة، وأن كل سيارة حكومية لها تكلفة، وأن كل رحلة ومأدبة ومكتب ومخصصات لها ثمن، وأن هذه الأموال في النهاية هي أموال السوريين.

لقد كان الهدم سريعاً فعلاً، أما البناء فيحتاج إلى سنوات. وهذه حقيقة لا خلاف عليها.

لكن السنوات التي تحتاجها سوريا لإعادة البناء يجب ألا تكون سنوات من الإنفاق العشوائي، ولا سنوات من الامتيازات، ولا سنوات من تبرير الأخطاء بحجم التركة التي ورثتها الدولة.

ينبغي أن تكون سنوات تأسيس لدولة مختلفة.

دولة تبدأ من احتياجات الناس، لا من مظاهر السلطة.

دولة تحمي المال العام، ولا تعتبره امتيازاً لمن يشغل المنصب.

دولة تستثمر مواردها في الإنتاج والتعليم والصحة والبنية التحتية، بدل أن تنفقها على ما يمكن الاستغناء عنه.

دولة يكون فيها راتب المسؤول عادلاً، ولكن ليس راتباً يضعه في عالم منفصل عن شعبه.

وفي النهاية، فإن السوريين مستعدون للصبر، وقد أثبتوا خلال سنوات الحرب أنهم أكثر الشعوب قدرة على تحمل الصعاب. لكن الصبر الحقيقي يحتاج إلى أمل، والأمل يحتاج إلى رؤية، والرؤية تحتاج إلى إدارة تثبت للناس كل يوم أن التضحيات لا تذهب هدرًا.

سوريا لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما تهدم من أبنية وطرق ومؤسسات ، إنها تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.

وهذه العلاقة لن تُبنى بالمواكب ولا بالسيارات الفارهة ولا بالرواتب الضخمة، وإنما بالقدوة والشفافية والعدل وحسن إدارة المال العام.

فإذا كان على السوري أن يصبر على مشقة البناء، فمن حقه في المقابل أن يرى المسؤول يصبر معه، وأن يرى ثروات بلده تُدار لمصلحته، وأن يشعر أن كل تضحية يقدمها اليوم تذهب إلى بناء سوريا التي يستحقها غداً.

وهنا يبدأ البناء الحقيقي.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب