مقالات

الحركة الكوردية في سوريا: من شرعية النضال إلى وضوح المشروع

فيصل إسماعيل إسماعيل
مع كامل الاحترام لتاريخ الحركة الكوردية في سوريا، وللقيادات والأحزاب التي دفعت أثماناً كبيرة دفاعاً عن وجود الكورد وحقوقهم، فإن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة سياسية هادئة وصريحة: هل تملك الحركة الكوردية اليوم رؤية واضحة لما تريده، وكيف تريد تحقيقه، وما طبيعة العلاقة التي تريد بناءها مع الدولة السورية؟
المشكلة ليست في مشروعية المطالب الكوردية، وإنما في عدم وضوح الحدود بين المطلب القومي والموقف من الدولة. فالمطالبة بالحقوق لا تعني الانفصال، والتمسك بوحدة سوريا لا يعني التخلي عن الهوية والحقوق القومية. وبينهما مساحة سياسية يمكن أن تقوم على دولة ديمقراطية تعترف دستورياً بالحقوق الكوردية، وتضمن المساواة والمشاركة السياسية والثقافية والإدارية.
لكن الوصول إلى هذه المعادلة يحتاج أولاً إلى تحديد ما تريده القوى الكوردية نفسها.
فالكورد في سوريا ليسوا حزباً واحداً، ولا يمكن اختزالهم في تنظيم أو مشروع سياسي واحد. لذلك فإن الاستمرار في الخلاف حول سؤال “من يمثل الكورد؟” قد يكون أقل أهمية من الاتفاق على السؤال الأهم: “ماذا يريد الكورد؟”
وهنا تظهر الحاجة إلى رؤية سياسية كوردية مشتركة تحدد الحد الأدنى من المطالب: الاعتراف الدستوري بالهوية والحقوق القومية، وضمان اللغة والثقافة، والمشاركة السياسية المتساوية، ومعالجة قضايا المواطنة والأراضي المستولى عليها والممتلكات والمهجرينبما فيها عودة بيشمركة روز ، ووضع صيغة عادلة للإدارة المحلية ضمن الدولة السورية.
لكن تحديد المطالب وحده لا يكفي. فالمطالب السياسية، مهما كانت مشروعة، تحتاج إلى أن تصاغ بطريقة تجعلها قابلة للتفاوض والقبول من الطرف السوري الآخر، من دون التفريط بجوهر الحقوق.
وهنا يجب التمييز بين المبدأ والآلية. فالاعتراف بالهوية والحقوق الكوردية والمساواة والضمانات الدستورية يمكن أن تشكل مبادئ أساسية، بينما يمكن أن تكون آليات الإدارة المحلية، وتوزيع الصلاحيات، والمشاركة في مؤسسات الدولة، والترتيبات الأمنية، ملفات قابلة للتفاوض.
هذه المقاربة لا تعني خفض سقف المطالب، وإنما تحويلها إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق؛ مشروع يحمي حقوق الكورد، وفي الوقت نفسه يراعي وحدة سوريا ومصالح مكوناتها الأخرى.
ومن هنا تأتي أهمية تحديد العلاقة مع دمشق بصورة واقعية. فالمطلوب ليس تبعية للسلطة المركزية، ولا قطيعة دائمة معها، وإنما تفاوض سياسي واضح يقوم على الحقوق والضمانات والمصالح المشتركة. فإذا كانت دمشق تتمسك بوحدة سوريا وسيادتها، فعليها أن تقابل ذلك بضمانات قانونية ودستورية حقيقية. وإذا كانت القوى الكوردية تريد حقوقها داخل سوريا، فعليها أيضاً أن تقدم تصوراً واضحاً لعلاقتها بمؤسسات الدولة ومستقبل الإدارة والأمن والسلاح.
وهذه النقطة تحتاج إلى شجاعة سياسية؛ لأن الغموض يفتح الباب أمام الآخرين لتفسير المطالب الكوردية وفق مصالحهم.
كما أن احترام تاريخ القيادات لا يعني إعفاءها من النقد والمساءلة. فالنضال السابق يمنح صاحبه الاحترام، لكنه لا يكفي وحده لإدارة مرحلة سياسية جديدة. المطلوب من القيادات اليوم الانتقال من إدارة الخلافات بين الأحزاب إلى بناء مشروع سياسي قابل للحياة، ومن ردود الأفعال إلى المبادرة، ومن تعدد الخطابات إلى موقف تفاوضي مشترك.
ولا يمكن تجاهل أن التطورات السورية أوجدت واقعاً جديداً. لذلك فإن إعادة إنتاج الأدوات والشعارات القديمة قد لا تكون كافية للمرحلة المقبلة. المطلوب قراءة جديدة لموازين القوى، والاستفادة من التجارب السابقة، وتجنب تحويل الخلافات الكوردية الداخلية إلى أوراق تستخدمها الأطراف الأخرى.
إن القضية الكوردية لا تحتاج إلى رفع سقف المطالب بلا حساب، كما لا تحتاج إلى تخفيضه لإرضاء الآخرين. ما تحتاجه هو وضوح في الهدف، ووحدة في الحد الأدنى، ومرونة في وسائل التفاوض.
والفرصة المتاحة اليوم هي أن تتحول القضية الكوردية من ملف يُدار تحت ضغط الأحداث إلى قضية سياسية ودستورية واضحة داخل مشروع سوريا الجديدة.
السؤال أمام الحركة الكوردية لم يعد فقط: ماذا نرفض؟ بل أصبح: ماذا نريد أن نبني، وكيف نجعل الطرف الآخر قادراً على قبول هذا البناء؟
فالسياسة ليست فقط أن تعرف ماذا تريد، وإنما أن تعرف كيف تطرح ما تريد بحيث يصبح قابلاً للتفاوض والتطبيق والتعايش.
لقد صنعت أجيال الحركة الكوردية شرعية النضال؛ أما مسؤولية الجيل الحالي فهي أن يحوّل هذه الشرعية إلى وضوح في المشروع، ووحدة في الموقف، وحقوق ثابتة في دستور سوريا الجديدة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب