مقالات

حين تتوحّد الإرادة الكوردية

خالد حسو

إن الإعلان عن توحيد قوات البيشمركة في إقليم كوردستان ليس حدثاً عسكرياً فحسب، بل يحمل معنى سياسياً وإنسانياً وحضارياً يتجاوز حدود المؤسسة العسكرية نفسها.

واليوم، 21 أيلول/سبتمبر 2026، سيبقى في ذاكرة كوردستان يوماً تاريخياً، لأنه شهد محطة مهمة في مسار توحيد قوات البيشمركة وإعادة تنظيمها تحت مظلة وطنية واحدة. وليس من المبالغة القول إن مثل هذه المحطات لا تُقاس فقط بما تحققه في الحاضر، وإنما بما تفتحه من أبواب أمام المستقبل.

فالبيشمركة التي توحّدت اليوم تحت مظلة وطنية واحدة، بعد سنوات من العمل وإعادة التنظيم، تؤكد أن ما يجمع أبناء الشعب الكوردي أكبر بكثير مما يفرّقهم، وأن حماية الوطن لا يمكن أن تكون رهينةً لتعدد الولاءات الحزبية، بل يجب أن تكون مسؤولية وطنية جامعة.

وهذه اللحظة التاريخية لا يمكن قراءتها بمعزل عن الذاكرة الكوردية والنضال الطويل الذي ارتبط باسم البيشمركة، ولا عن الدور التاريخي الذي لعبه الخالد الملا مصطفى البارزاني في ترسيخ مكانة البيشمركة كرمز من رموز النضال الكوردي، وفي الدفاع عن قضية شعبه وحقوقه في واحدة من أكثر المراحل صعوبةً في التاريخ الكوردي الحديث.

ومن هذا الإرث التاريخي الممتد، تأتي أهمية المرحلة الراهنة وما تشهده كوردستان من خطوات نحو بناء مؤسسات أكثر توحيداً وتنظيماً. وفي هذا السياق، يبرز دور الرئيس مسعود بارزاني بما يمثله من حضور تاريخي وسياسي في الحركة الكوردية، ودور الرئيس نيجيرفان بارزاني في موقعه الدستوري، ودور رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني في متابعة مسار الإصلاح وإعادة تنظيم وتوحيد قوات البيشمركة، إلى جانب دور مختلف المؤسسات والقيادات والقوى السياسية التي ساهمت في الوصول إلى هذه المحطة.

إن أهمية هذا اليوم لا تكمن في توحيد مؤسسة عسكرية فحسب، بل في الرسالة التي يحملها إلى المجتمع الكوردي بأسره: حين تتقدم المصلحة القومية، وتتوحد الإرادة، يصبح بالإمكان تحويل الانقسام إلى شراكة، والتعدد إلى قوة، والاختلاف إلى مصدر غنى بدلاً من أن يكون سبباً للضعف.

إن قوة أي شعب لا تُقاس بعدد مؤسساته وأحزابه، وإنما بقدرته على تحويل تعدده إلى قوة، واختلافاته إلى حوار، وإرادته الوطنية إلى موقف موحّد.

ومن هنا، فإن فرحتنا بتوحيد البيشمركة تحمل في داخلها أمنية أكبر وأعمق: أن تنتقل ثقافة توحيد الصف من المؤسسة العسكرية إلى الحياة السياسية والقومية، وأن نرى توحيداً للخطاب والقرار والموقف الكوردي، مع احترام التعدد السياسي والفكري وحق الاختلاف.

نحن لا نريد كوردستاناً بلا أحزاب أو تيارات، بل نريد أحزاباً وتيارات تعرف أن الحزب وسيلة لخدمة الشعب، وليس بديلاً عن الشعب، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام قومي.

وإذا كان من الممكن توحيد قوات البيشمركة تحت قيادة ومؤسسة وطنية واحدة، فإن توحيد الصف السياسي والخطاب القومي والقرار الوطني يجب أن يبقى هدفاً مشروعاً وطموحاً دائماً لكل من يؤمن بمستقبل الشعب الكوردي.

إن شعباً دفع ثمناً باهظاً من الدم والتهجير والحرمان، يستحق أن يرى أبناءه وقياداته أكثر قدرة على التفاهم، وأقل استعداداً للانقسام، وأكثر تمسكاً بالمصلحة القومية العليا.

ولعل من أهم الدروس التي يقدمها لنا هذا اليوم أن الوحدة ليست إلغاءً للاختلاف، وليست ذوباناً للأحزاب والتيارات، وإنما هي القدرة على الاتفاق حول القضايا الكبرى التي تمس مستقبل الشعب ومصيره وأمنه وكرامته.

توحيد البيشمركة رسالة أمن وأمان، وتوحيد الصف والخطاب والقرار رسالة مستقبل.

وما نتمناه اليوم أن تكون هذه الخطوة بداية مرحلة جديدة، يكون فيها الأمن موحداً، والصف أكثر تماسكاً، والخطاب أكثر وضوحاً، والقرار أكثر انسجاماً مع مصالح الشعب الكوردي، مع احترام التعددية والديمقراطية وحقوق جميع أبناء كوردستان.

فالاختلاف لا يضعفنا عندما تحكمه الحكمة، والسياسة لا تفرقنا عندما تكون المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية.

إن 21 أيلول/سبتمبر 2026 ينبغي ألا يبقى مجرد تاريخ في روزنامة الأيام، بل أن يتحول إلى درس سياسي ووطني للأجيال القادمة: أن ما عجزت عنه الانقسامات يمكن أن تتجاوزه الإرادة، وأن ما يبدو مستحيلاً في زمن الانقسام يصبح ممكناً عندما تتقدم المصلحة القومية وتتوحد المؤسسات والقرار.

هنيئاً لشعب كوردستان بهذه الخطوة، والتحية لكل من ساهم في تحقيقها، والتحية لروح الخالد الملا مصطفى البارزاني، ولكل من حمل راية البيشمركة وناضل وضحّى من أجل كوردستان، والتقدير لكل الجهود التي أسهمت في الوصول إلى هذه اللحظة التاريخية.

والأمل أن يكون توحيد البيشمركة جسراً نحو وحدة سياسية وقومية أوسع، تحفظ لكوردستان أمنها واستقرارها وكرامتها، وتصون تضحيات شهدائها، وتفتح أمام أجيالها القادمة طريقاً أكثر أمناً وحريةً وازدهاراً.

حين تتوحّد الإرادة الكوردية، لا تتوحّد القوة فحسب، بل يتوحّد الأمل أيضاً.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب