أكرم حسين*
يأتي انعقاد المؤتمر الخامس للمجلس الوطني الكردي في سوريا في لحظة سياسية فارقة جذرياً عن تلك التي تأسس فيها المجلس ومؤتمراته السابقة. فسوريا دخلت بعد سقوط الأسد مرحلة جديدة تتجه فيها النقاشات نحو إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وتحديد شكل النظام السياسي والعلاقة بين المركز والمناطق، فيما شهدت القضية الكردية تطورات مهمة، من بينها المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 الذي أقرّ بأن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأكّد حقوقهم الثقافية واللغوية. كما اتجه مسار الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» نحو دمج المؤسسات والقوات ضمن مؤسسات الدولة.
في ظل هذه التحولات، لا يمكن أن يكون المؤتمر الخامس للمجلس الوطني الكردي عبارة عن استحقاق تنظيمي لانتخاب قيادة جديدة أو إعادة توزيع المواقع بين الأحزاب، بل ينبغي أن يكون مؤتمراً لإعادة تأسيس سياسي وتنظيمي وترتيب البيت السياسي الكردي.
والسؤال الحقيقي أمام المؤتمر ليس : من سيقود المجلس؟ وانما أي مجلس يحتاجه الكرد في سوريا الجديدة؟
لقد أثبتت التجربة أن وجود عدد كبير من الأحزاب داخل إطار واحد لا يعني بالضرورة قوة سياسية أكبر. فالتعدد الحزبي عندما يتحول إلى محاصصة في المناصب والقرار قد يصبح عائقاً أمام الفاعلية، ويجعل المجلس أسير التوازنات الداخلية بدلاً من أن يكون مؤسسة قادرة على اتخاذ القرار وإنتاج السياسات وتمثيل المجتمع.
ومن هنا ينبغي أن يطرح المؤتمر الخامس للمجلس الوطني الكردي مشروعاً واضحاً لإعادة تنظيم الخريطة السياسية الكردية، يقوم على دمج الأحزاب المنضوية في المجلس في ثلاثة أحزاب سياسية رئيسية، وفق تقارب البرامج والرؤى والتوجهات، وبطريقة طوعية وديمقراطية ، ولا يعني ذلك إلغاء التعددية السياسية أو فرض حزب واحد، بل الانتقال من تعدد تنظيمي مفرط إلى تعدد سياسي وبرنامجي حقيقي.
يُمكن أن تشكل الأحزاب الثلاثة الجديدة ثلاثة اتجاهات سياسية متمايزة، تتنافس ديمقراطياً في البرامج والسياسات والانتخابات، لكنها تتفق على القضايا القومية والوطنية الأساسية ، وبذلك يُصبح الاختلاف السياسي مشروعاً، في حين تنتهي ظاهرة تعدد الأحزاب الصغيرة التي تتنافس أساساً على الحصص داخل المجلس.
وهذه العملية تحتاج إلى عقد اجتماعي سياسي جديد بين الأحزاب الثلاثة والقوى والمستقلين والكفاءات الكردية، يكون بمثابة القاعدة التي تنظم الحياة السياسية الكردية في المرحلة المقبلة. يقوم -اي العقد -على احترام التعددية، والاحتكام إلى الانتخابات والمؤسسات، ورفض الإقصاء والتخوين، واحترام استقلالية الأحزاب، والفصل بين العمل الحزبي والعمل الوطني المشترك، والاتفاق على الثوابت المتعلقة بالحقوق القومية والدستورية للشعب الكردي ووحدة سوريا والديمقراطية واللامركزية والمواطنة المتساوية.
وبموجب هذا العقد، لا يكون المجلس حزباً رابعاً، ولا أداة لتجميع الأحزاب، بل مؤسسة وطنية كردية سورية فوق الحزبية، تضم ممثلي الأحزاب الثلاثة إلى جانب المستقلين والنساء والشباب والكفاءات والفعاليات الاجتماعية، وتكون مهمتها صياغة الموقف الوطني الكردي المشترك وإدارة الملفات الاستراتيجية، بينما تحتفظ الأحزاب بحقها في التنافس السياسي والبرنامجي.
ولعل ، إعادة هيكلة المجلس يجب أن تشمل كذلك آليات العضوية والتمثيل والقيادة. فلا يمكن أن تبقى شرعية المجلس قائمة فقط على عدد الأحزاب التي تتقاسم مقاعده. المطلوب توسيع قاعدة التمثيل وإعطاء المجتمع دوراً أكبر في اختيار ممثليه، والتدرج نحو انتخابات مباشرة للهيئات المحلية ثم الهيئات الوطنية، مع تحديد مدة الولايات القيادية، وتفعيل الرقابة والمساءلة، والفصل بين الهيئات السياسية والتنفيذية والرقابية.
كما ينبغي أن يتحول المجلس من مؤسسة تُركز على إصدار البيانات إلى مؤسسة تُنتج السياسات ، وفي المرحلة المقبلة يحتاج المجلس إلى فرق متخصصة في الدستور واللامركزية والتعليم والثقافة والاقتصاد والتنمية والعدالة الانتقالية والإدارة العامة والعلاقات الدولية. لأن المطلوب ليس المطالبة بحقوق الكرد، لوحدهم ، وإنما تقديم مشاريع قانونية ودستورية واضحة لتحويل هذه الحقوق إلى سياسات قابلة للتطبيق.
وفي قضية اللامركزية، يجب أن يمتلك المجلس تصوراً محدداً للصلاحيات والموارد والعلاقة بين المركز والمجالس المنتخبة ، وفي قضية الثروة، ينبغي التأكيد على أن الموارد الطبيعية ثروة وطنية سورية، مع المطالبة بتوزيع عادل لعائداتها وضمان تنمية المناطق المنتجة والمحرومة ، وهكذا تصبح القضية الكردية جزءاً من مشروع إصلاح الدولة السورية، لا ملفاً منفصلاً عنه.
كما أن المرحلة الجديدة تتطلب حضوراً سياسياً دائماً في دمشق، من خلال مكتب متخصص يُتابع عمل مؤسسات الدولة والتشريعات والقرارات المتعلقة بالحقوق الكردية، ويُحوّل المطالب إلى ملفات تفاوضية ومقترحات قانونية ، وفي الوقت نفسه ينبغي بناء تحالفات سورية مع القوى العربية والسريانية والآشورية والتركمانية وسائر القوى الديمقراطية والمدنية حول قضايا المواطنة واللامركزية والديمقراطية والحقوق الثقافية.
ولا يمكن أن تنجح عملية اصلاح المجلس من دون استعادة الصلة بالمجتمع. لذلك ينبغي إنشاء مكاتب ومراكز تواصل في المدن والبلدات الكردية، والاستماع إلى المواطنين وتحويل مشكلاتهم إلى ملفات سياسية وإدارية، مع إعطاء الشباب والنساء والكفاءات دوراً حقيقياً في المؤسسة الجديدة.
إن المؤتمر الخامس أمام فرصة تاريخية لإعادة ترتيب البيت السياسي الكردي. فالهدف ليس مجرد تغيير أسماء القيادات أو الأحزاب ، بل إنهاء مرحلة المحاصصة الحزبية والانتقال إلى ثلاثة أحزاب سياسية حديثة، وعقد اجتماعي جديد ينظم علاقتها، ومجلس وطني يعبر عن المجتمع ولا يكون رهينة للأحزاب.
وإذا نجح المؤتمر في تحقيق هذه النقلة، فإنه لن يكون مجرد مؤتمر دوري للمجلس، بل بداية مرحلة سياسية جديدة: عنوانها الانتقال من تعدد الأطر إلى البرامج ، ومن ردود الفعل إلى صناعة السياسات، ومن الدفاع عن الحقوق إلى المشاركة الفاعلة في بناء سوريا الجديدة.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يخرج به المؤتمر ليس البحث عما يريده الكرد، بل كيف نبني مؤسسة كردية قادرة على تحقيق ما نريده ، وما هو شكل الدولة السورية التي يمكن أن تجمعنا كشركاء؟
*رئيس الهيئة التنفيذية لتيار مستقبل كردستان سوريا





