ماجد ع محمد
“كيفَ يَنتَفِعُ بالنَّصيحَةِ مَن يَلتَذُّ بالفَضيحَةِ”
علي بن أبي طالب
المنطق يقول إنه ما من فائدة لبحث موضوع الاهتمام بنظافة الجو والمكان عندما تنطلق العاصفة الرملية ويغزو الغبار كل مكان، كذلك الأمر لا فائدة من الحديث وقت العاصفة عن أهمية الأشجار أو ضرورة انتشار الغطاء النباتي في عموم الديار، وكما أنه لا جدوى من إطلاق أناشيد الوئام إبان الاشتباكات المسلحة، كذلك الأمر لا نفع من إطلاق بالونات السلام حين تندلع المعارك، لأن قضية الاشتغال على التشجير والإكثار من المساحات الخضراء ومحاربة التصحر يجب أن تسبق العاصفة حتى يتم تجنب وقوعها، كذلك الأمر ينبغي الكف عن نشر سموم الكراهية والعدوان وإشاعة ثقافة السلام والوئام والطمأنينة قبل نشوب الحروب وليس وقتها.
الأمر ذاته ينسحب على الإشكاليات التي تحدث في فترة التراشق الهيستيري في وسائل التواصل الاجتماعي، إذ إن وقت انخراط أكبر كتلة بشرية في الحملات التشويهية والمهاترات اليومية والاتهامات والتخوينات في السوشال ميديا، لا جدوى من الوقوف ضد المشاركين بها، لأن حال من يصدهم بدعوى أنه يعرف الحقيقة أشبه بحال من يقف في طريق قطيعٍ هائجٍ من الثيران، فإن لم تبقر بطنه قرون الثيران قد يغدو مداسًا لحوافرها، لأنه عند انتشار الشائعة النارية في الفضاء التقني لا مكان للمنطق ولا لكلام من يشكك بها أو يكذب مطلقيها، لذا لا بد من انتظار هدوء العاصفة وإزاحة الغبار من الجو وعودة السكينة للمكان حتى يتم العمل على كشف حقائق الأمور، ومن ثم نسف كل النظريات التي كانت وراء هياج الأوادم وعدوانهم.
وعلى سبيل المثال، فبالرغم من أن منصّة “الفاحص” للتحقّق والتربية الإعلامية الرقمية كانت قد أكدت، إبان مواصلة عملية “صولة الفجر” العراقية التي انطلقت يوم 28 حزيران (يونيو) 2026 ونفذت خلالها القوات الأمنية العراقية عمليات اعتقال خلال ساعات الصباح بحق مجموعة من المسؤولين العراقيين المتهمين بالفساد، أن صورة المجوهرات على هيئة ملابس داخلية التي زعمت بعض الصفحات أنها وُجدت في منزل النائب في البرلمان العراقي عالية نصيف، وصفحات أخرى ادعت بأنها وُجدت خلال تفتيش منزل النائبة العراقية هند العباسي، هي صورة مزيفة ولا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، كما أن CNN بالعربية كشفت وقتها عن أن الصورة مُنشأة عن طريق الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا ترتبط بحملة المداهمات الأخيرة في العراق، مع ذلك بقيت الصورة المختلقة تنتقل من صفحة لأخرى. والأنكى من نشر الصورة المفبركة والجزئية الكاذبة من الخبر هو أنها حظيت بتعليقات الناس من مختلف الشرائح، بمن فيهم المتعلمون والقادرون على التمييز بين الحقيقي والمزيف، وفي هذا الإطار غدا حالهم للأسف حال الدهماء في تصديق كل ما يعرض عليهم في سماء الشبكة العنكبوتية.
والسؤال الذي يخطر على البال حيال هذا الأمر هو: يا ترى إذا كانت الفئة الواعية والمثقفة من المجتمع جاهزة على الدوام للتفاعل السلبي والانجرار مع أي خبر كاذب أو اتهام باطل أو شهادة مزورة في الفضاء التقني، فمن الذي سيقوم بتنبيه الناس من المزالق المحتملة؟ ومن الذي سيعلمهم أصول البحث والكشف والتأني إذا كانوا هم أنفسهم يتجنبون التحري ولا يُتعبون ذواتهم في التدقيق والكشف عن الحقائق؟ حيث يُخال لمن يتابع تفاعلهم السلبي والمباشر بأنهم لا يمتلكون ولو قدرًا ضئيلًا من فضيلة الصبر والتريث حيال المواضيع المعروضة من قِبل العامة، فتراهم يقولون نعم لأي تقريرٍ أو خبر غير صادق عن الأشخاص أو الأطراف التي لا يستلطفونها، وبسرعة صاروخية يقولون آمين لأي منشورٍ يرفع من مستوى هرمون الدوبامين، حالهم حال الأميين.
وبالمناسبة فإن كلمة آمين، وفق قاموس سجيف (دافيد سجيف)، وهو قاموس عربي عبري/عبري عربي، جاءت بمعنى فليكن، أما عند المسلمين فتُقال الكلمة في نهاية الدعاء أو بعد قراءة سورة الفاتحة في الصلاة، وتأتي بمعنى الاستجابة، أي اللهم استجب، هذا في إطار الرجاء والابتهال وقبول ما يرد فيه. أما في الحياة اليومية فالإنسان اليقظ الذي له عقل يفكر لا يصدق بسرعة الضوء كل ما يقرأه أو يسمعه، ولا يوافق على أي كلام يقال له، أو أي منشورٍ يقرأه في وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا إذا ما كان الكلام صادرًا عن شخص مجهول الهوية والنسب أو شخص مشهور بالإفك والبهتان.
ولكن للأسف فالكثير من أصحاب الصفحات في الفيس بوك والتيك توك غدا وضعهم مثل وضع الشخص المخدر أو الغائب عن الوعي الذي يهز برأسه لأي كلام يُتلى على أسماعه، حيث يقول نعم لأي منشور أو مقطعٍ مصورٍ يصادفه، باعتبار أنه لمجرد التفاعل بحماس مع المكتوب المؤذي سمعيًا وعقليًا وبصريًا عبر التعليق أو إعادة النشر أو وضع المرء إصبعه على زر الإعجاب تحت أي منشور أو فيديو، هو بمثابة كلمة “نعم” أو تأييد لما قيل أو ما كان مكتوبًا.
لذا نتمنى من الفئة الواعية التوقف عن قول آمين لكل ما يصادفونه في فضاء السوشال ميديا، لأن زر الإعجاب قد يكون بالنسبة إليك/إليه/إليها أمرًا عاديًا، عملًا روتينيًا، ولكنه بالنسبة إلى غيركم إهانة بحقهم إذا ما كان البوست فيه كذب وتضليل وتشويه وطعن في سمعة الشخصية، وأيقنوا بأنكم طالما وضعتم أصابعكم على زر الإعجاب أسفل مكتوبٍ فاضح أو منشورٍ كاذب أو بوستٍ اتهامي، فمعنى ذلك أن إعجابكم بالبوست يشير إلى أنكم تقولون، وأنتم بكامل قواكم العقلية، نعم لما قرأناه أو سمعناه، وبالتالي أنكم تصدقون ما ورد فيه.
ويبقى أملنا الأخير في هذا الإطار هو أن يكف المقصودون بالكلام عن إطاعة أهوائهم، وبألا ينساق المشار إليهم في المرات القادمة، كما كل مرة، مع أي خبرٍ كاذب أو مقطعٍ مضلل أو تقريرٍ مختلق أو فيديو مفبرك، كما حدث مؤخرًا مع الدكتور محمد حبش الذي تعرض لحملة تشهير سمجة عبر تداول مقطع فيديو مزيف منسوب إليه، وذلك حتى لا يكون وضع تلك الفئة المتعلمة، وخاصة أصحاب الشهادات العليا، كوضع الذين قصدهم الإمام ابن الجوزي في قوله: “أرباب الهوى أطفالٌ في جحور هوى العادات وإن شابوا”.



