مقالات

وحّد حزبك أولاً، وستكون وحدة الحركة الكردية تحصيل حاصل..

طه عيسى

في كل مرة تشتد فيها الأزمات، وتتراكم التحديات، ويتعرض غرب كردستان لمخاطر جديدة، يعود إلى الواجهة شعار طالما تردّد على مسامعنا: وحدة الصف الكردي. ولا شك أن الوحدة مطلب جماهيري وضرورة سياسية في مرحلة دقيقة كهذه، فالشعب الذي يواجه تحديات كبيرة يحتاج إلى قدر أكبر من التماسك، وإلى خطاب سياسي أكثر انسجاماً، وإلى قوى قادرة على تنسيق مواقفها والدفاع عن مصالح مجتمعها بعيداً عن الحسابات الضيقة.

لكن أهمية هذا الشعار لا ينبغي أن تمنعنا من طرح سؤال أكثر عمقاً: لماذا أصبحنا في كل أزمة بحاجة إلى التذكير بضرورة الوحدة، بينما يفترض أن تكون الوحدة أساساً للعمل السياسي، لا شعاراً نستدعيه عند اشتداد الأزمات؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال تقودنا دائماً إلى واقع الحركة السياسية الكردية نفسها.

فلو أن هذه الحركة لم تنقسم إلى هذا العدد الكبير من الأحزاب والأطر، فهل كنا سنحتاج أصلاً إلى كل هذه الدعوات المتكررة إلى وحدة الصف؟ وكيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها لكل خلاف إطار، ولكل تنافس على موقع قيادي انقسام، ولكل انقسام اسم، وأحياناً يبقى الاسم نفسه بينما تتغير مواقع القيادات ؟

المشكلة هنا ليست في تعدد الآراء السياسية ، فاختلاف الرؤى أمر طبيعي، بل ضروري أحياناً لأي حياة سياسية سليمة، وإنما تبدأ المشكلة عندما يتحول الاختلاف في الرأي إلى خصومة، والخصومة إلى انشقاق، والانشقاق إلى حزب، ثم يتحول الحزب نفسه بعد فترة إلى انقسام جديد. ومع كل دورة من هذه الدورات تتكاثر الأطر، وتتراجع الفاعلية، وتتسع المسافة بين الأحزاب وقواعدها، بينما تبقى القضية واحدة والجمهور واحداً، والتحديات واحدة وهذه الأخيرة هي الأكثر ألماً .

وحين تتكرر هذه الصورة جيلاً بعد جيل، يصبح من الطبيعي أن تتراجع ثقة الناس بالعمل السياسي. فالجمهور لا يقرأ البيانات والمواقف المعلنة فقط، بل يراقب أيضاً سلوك القيادات وطريقة إدارتها لخلافاتها الداخلية، وعندما يرى أن خلافاً تنظيمياً أو قيادياً يمكن أن يؤدي إلى انقسام حزب، وتشتيت كوادره، وإضعاف حضوره، يصبح من الصعب إقناعه بأن القوى نفسها قادرة على بناء وحدة أوسع وأكثر تعقيداً.

ومن هنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف عندها: حين يتحول البيت المنقسم إلى منبر للدعوة إلى توحيد البيوت الأخرى، يصبح من حق أهل الدار أن يسألوا عن حال بيتهم أولاً.

فكيف يمكن لمن لم يستطع أن يجمع أهل بيته حول طاولة واحدة أن يقنع الآخرين بقدرته على جمع بيوت الحي كلها؟ وكيف يمكن الحديث عن وحدة الحركة الكردية بأكملها، فيما لا تزال بعض الأحزاب عاجزة عن معالجة انقساماتها الداخلية واستعادة كوادرها والحفاظ على مؤسساتها إن وجِدت ؟ 

هذه الأسئلة لم تأتي من فراغ ، ولا ينبغي النظر إليها باعتبارها محاولة لتصفية الحسابات، بل على العكس، هي جزء من المراجعة التي تحتاجها الحركة الكردية إذا كانت تريد بالفعل استعادة ثقة جمهورها، فالناس اليوم ليست غافلة عن هذه المفارقات، وهي لا تسمع فقط ما تقوله القيادات، وإنما تقارن دائماً بين القول والممارسة.

ولهذا أرى أن أزمة الثقة التي يعاني منها جزء من شعبنا لا يمكن تفسيرها كلها بالضغوط الخارجية أو بالمخاطر المحيطة بالقضية الكردية، فالانقسامات المتكررة، والصراعات على المواقع والمكاسب الشخصية وغياب الحياة المؤسساتية وخروج الكوادر وابتعاد غالبية الأحزاب عن قواعدها، كلها عوامل ساهمت، بدرجات مختلفة، في تعميق هذه الأزمة، والاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إنكار الضغوط الخارجية، بل يعني ببساطة أن نمتلك الشجاعة للنظر إلى الداخل كما ننظر إلى الخارج.

ومن هنا تحديداً تبدأ الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة من خلال المراجعة الصادقة للذات. فإذا كانت وحدة الحركة الكردية ضرورة، فإن هذه الوحدة لا يمكن أن تبدأ من الخارج، ولا من البيانات والشعارات، وإنما من داخل كل حزب وتنظيم.

فكل حزب يعاني من انقسام داخلي مدعو، قبل أن يطالب الآخرين بتوحيد صفوفهم، إلى أن يبدأ بتوحيد صفوف حزبه و أن يجلس المختلفون داخله إلى طاولة واحدة، وأن يعيدوا الاعتبار للمؤسسات والثقة بين رفاقهم، وأن يفتحوا الطريق أمام المصالحة التنظيمية، وأن يعملوا على استعادة كوادرهم وأعضائهم، وأن يضعوا المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية والتنظيمية.

وعندما تنجح الأحزاب في معالجة انقساماتها الداخلية، تصبح الخطوة التالية أكثر واقعية وطبيعية كتحصيل حاصل للانتقال من وحدة الحزب إلى التنسيق بين الأحزاب ومن تنسيق الأحزاب إلى وحدة الموقف، ومن وحدة الموقف إلى بناء مرجعية سياسية مشتركة تحظى بثقة حقيقية.

أما أن نقفز مباشرة إلى الحديث عن مرجعية شاملة، بينما لا تزال جذور الانقسام قائمة داخل بعض البيوت السياسية، فقد نكون بصدد إعادة إنتاج المشكلة نفسها على نطاق أوسع. فالمرجعية السياسية لا تُبنى بمجرد الاتفاق على اسم أو عنوان، وإنما تحتاج إلى ثقة متبادلة، ومؤسسات واضحة، وتوافق حقيقي، وآليات ديمقراطية تتيح إدارة الاختلاف من دون أن يتحول كل خلاف إلى انشقاق جديد.

وعلى هذا الأساس، فإن الطريق إلى وحدة الحركة الكردية قد لا يبدأ من الأعلى، من اجتماع جديد أو صيغة جديدة أو شعار جديد، بل من الأسفل، من كل حزب ومن كل تنظيم ومن كل بيت سياسي. فكل انقسام يتم تجاوزه هو خطوة نحو الوحدة، وكل كادر تتم استعادته هو استعادة لجزء من قوة الحركة، وكل خلاف يوضع في إطاره المؤسساتي هو خطوة نحو استعادة ثقة الجمهور.

وعندها فقط تصبح وحدة الحركة الكردية نتيجة طبيعية لمسار بدأ من الداخل، لا مشروعاً موسمياً يُطرح كلما اشتد علينا الخناق 

ولذلك، فبدلاً من أن يطالب كل طرف الآخرين بالوحدة، فليبدأ كل طرف بنفسه وليكن السؤال الأول الذي يطرحه كل حزب على ذاته بسيطاً وواضحاً:

هل نحن موحدون؟

فإذا كان الجواب نعم، فليتقدم خطوة إلى الأمام نحو الآخرين. وإذا كان الجواب لا، فالأولى أن يبدأ من بيته، وأن يعالج ما في داخله، وأن يستعيد أبناءه وكوادره، قبل أن يطالب الحركة كلها بمعالجة ما فيها.

فالوحدة الحقيقية لا تبدأ من مطالبة الآخرين بها، وإنما من ممارسة الوحدة حيث نملك القدرة والإرادة على صنعها.

  19.09.2026  

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

تجنب قول آمين

ماجد ع محمد "كيفَ يَنتَفِعُ بالنَّصيحَةِ مَن يَلتَذُّ بالفَضيحَةِ" علي بن أبي طالب   المنطق يقول إنه ما من فائدة لبحث موضوع…