عدنان بدرالدين
أظهرت مسألة التعليم أن الاعتراف الرسمي باللغة قد يتزامن مع تقليص مجال استخدامها. وهذه المفارقة تتجاوز المدرسة إلى طبيعة التسوية الجارية: فإعادة القوات والمؤسسات والموارد إلى سلطة المركز لا تجيب بذاتها عن سؤال موقع الكرد داخل الدولة. بعد فحص ما يقره المرسوم 13 وحدود ضماناته، وما يرجح أن يترتب على تطبيقه في التعليم، يبقى السؤال السياسي: هل تمهد الإجراءات الجديدة لشراكة أوسع، أم تجعل الاعتراف الثقافي المحدود مقابلًا كافيًا لإنهاء الاستقلال العسكري والإداري؟
لا يمكن الإجابة بالنظر إلى المرسوم وحده. فهو يعمل داخل مسار تتداخل فيه خيارات السلطة السورية، وتقاربها مع تركيا، وتفاوت أدوات التأثير الكردية، وأولويات دولية تتقدم فيها ملفات الأمن والاستقرار على ضمان الحقوق القومية. لذلك يحتاج تقييم التسوية إلى معرفة من يستطيع التأثير في مضمونها، وبأي وسائل، وما الالتزامات التي يمكن مطالبة الأطراف بتنفيذها.
قضية أقدم من مؤسساتها الراهنة
تعود جذور الحركة القومية الكردية المنظمة في سوريا إلى مرحلة سابقة بكثير على ظهور قسد والإدارة الذاتية. وتبرز خويبون، منذ عام 1927، بوصفها إحدى محطاتها المبكرة؛ فقد ارتبط نشاطها وقياداتها بالمناطق الكردية السورية، وشارك فيها كرد سوريون، رغم طابع مشروعها القومي العابر للحدود. وتواصل هذا الحضور عبر النشاط الثقافي والإعلامي والاجتماعي في زمن الانتداب، وصولًا إلى تأسيس أول حزب قومي كردي في سوريا صيف 1957.
أهمية هذا التاريخ تتجاوز تصحيح الانطباع بأن السياسة الكردية بدأت مع الحرب على داعش. فهو يبين أن القضية ترتبط بعلاقة مجتمع بالدولة، وبأسئلة الهوية واللغة والمساواة والتمثيل. أما التنظيمات التي تعاقبت على التعبير عنها، فقد اختلفت في برامجها ووسائلها وصلاتها الخارجية، دون أن ينتهي وجود القضية بانحسار أحدها.
لذلك لا يصح اختزال الكرد في قسد، ولا اعتبار انتهاء الإدارة الذاتية نهاية الحاجة إلى حل سياسي. كما لا تتمتع الأحزاب التقليدية، داخل المجلس الوطني الكردي أو خارجه، بحق دائم في احتكار التمثيل. فحقوق المجتمع لا تستمد مشروعيتها من قوة الحزب الذي يتحدث باسمه، ولا تسقط بسبب ضعفه أو أخطائه.
وهذا التمييز يحدد موضوع التسوية: هل تعالج مصير مؤسسات نشأت في ظروف الحرب، أم تعالج أيضًا علاقة الدولة بمجتمع له قضية سبقت تلك المؤسسات وستبقى بعد زوالها؟
انتقال المؤسسات وحدود الالتزام بالحقوق
جمع اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الإقرار بأصالة المجتمع الكردي وحقوقه الدستورية، وبين دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في الدولة. لكنه ترك مضمون الحقوق وصيغ المشاركة أقل تحديدًا من الوجهة العامة للاندماج. ثم جاءت الترتيبات اللاحقة لتفصل جوانب متزايدة من انتقال القوات والإدارة والمعابر والموارد إلى مؤسسات الدولة.
ومع إعلان حل قسد والإدارة الذاتية في آب/أغسطس 2026، أصبحت الوجهة أوضح. لكن تفكيك قوة عسكرية تمتعت بدعم دولي معتبر، وإعادة تنظيم إدارة عملت لأكثر من عقد، يحتاجان إلى وقت لمعالجة أوضاع الأفراد والرتب والرواتب والممتلكات والسجلات والصلاحيات. استمرار بعض الهياكل خلال هذه العملية لا يثبت بقاء النموذج السابق، كما أن إعلان الحل لا يثبت اكتمال جميع إجراءات التنفيذ.
وقد أعقب الإعلان تعيين مظلوم عبدي مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية. يمكن لهذا الموقع أن يتيح التأثير، لكن قيمته تتوقف على صلاحياته ونتائج استخدامه. فالاقتراب من الرئيس لا يمنح المجتمع الكردي حقًا مؤسسيًا في المشاركة، ولا يتيح له بالضرورة مساءلة من يتحدث باسمه.
المشكلة، إذن، في التفاوت بين مسارين: انتقال مؤسسات وموارد إلى جهة محددة، وحقوق سياسية ولغوية ما زالت ضماناتها أقل وضوحًا. وكلما تقدم المسار الأول دون التزامات مقابلة، أصبح التفاوض على الثاني يجري من موقع أضعف.
ويقدم آب/أغسطس مثالًا على هذا التفاوت. ففي الشهر الذي أُعلن فيه الحل، عُدلت التعليمات التعليمية لتثبت حصصًا للكردية، مع قصر اختيار تدريس بعض المواد بها على عام واحد. هكذا اقترن إنهاء الاستقلال المؤسسي باعتراف لغوي لا يضمن استمرار التعليم بالكردية بصيغته الأوسع. وهذا يوضح اتجاه السياسة السورية، وإن كان لا يثبت وحده مصدر التأثير الخارجي فيها.
دمشق وأنقرة: تقارب يتجاوز الضغط المباشر
لا يحتاج تفسير الحدود الحالية للاعتراف إلى افتراض أن أنقرة تضغط على دمشق عند كل إجراء. فقد تتبنى السلطة السورية هذه الحدود انطلاقًا من تصورها الخاص للدولة، بالتوافق مع مصالح تركيا. والأرجح أن مساحة التقارب بين الطرفين واسعة في استعادة القرار المركزي ورفض استمرار مؤسسات كردية تملك صلاحيات مستقلة.
ويظهر ذلك بوضوح في الملف العسكري؛ فقد توافقت الدعوات التركية إلى حل القوات الكردية واندماجها مع الهدف الذي سعت إليه دمشق. أما في المجال الثقافي، فتتطلب المقارنة النظر في طريقة ممارسة الحقوق: هل تكون مجالات تسمح بها الدولة وتحدد نطاقها، أم حقوقًا يستطيع أصحابها تطويرها وحمايتها بمؤسسات وصلاحيات مستقرة؟
تتيح التجربة التركية دروسًا اختيارية وأقسامًا جامعية وبثًا حكوميًا بالكردية، دون أن يحسم ذلك النزاع حول الحقوق القومية والسياسية. ولا تعني المقارنة أن الإجراءات السورية نسخة مطابقة؛ فسوريا تواجه استيعاب تعليم وإدارة قائمين، بما يجعل بعض ما يُقدَّم انفتاحًا رسميًا تراجعًا عن ممارسة أوسع.
ومن هذه الزاوية، يمكن تفسير التحفظ التركي على قيام نموذج كردي سوري مستقر للتعليم باللغة الأم والإدارة المحلية. فمثل هذا النموذج قد يصبح مرجعًا للمطالبة داخل تركيا. وهذه قراءة للمصلحة السياسية، لا إثبات لوجود تعليمات تركية تفصيلية وراء كل قرار سوري.
ويزيد تشابك العلاقة بين البلدين من رسوخ هذا الاتجاه، لكنه لا يلغي مسؤولية دمشق. فالمطلوب فحص تقارب التصورات والمصالح، لا افتراض سلطة سورية راغبة دائمًا في توسيع الحقوق يمنعها حليفها من ذلك. أما تغيير هذا الاتجاه، فيحتاج إلى قوى ترفع كلفة الاكتفاء بالاعتراف المحدود.
أين تتوزع القدرة الكردية على التأثير؟
لا يكفي القول إن الضغط الكردي ضعيف؛ إذ ينبغي تحديد مصادر القوة المتاحة وأسباب تعثر تحويلها إلى موقف مشترك. كما لا يكفي السؤال عمن «يملك الشارع»، لأن التنظيم والقبول الشعبي والقدرة على الاحتجاج والتفويض الديمقراطي أمور مختلفة.
في الجزيرة، لا يمحو حل الإدارة شبكات الموظفين والمدرسين والكوادر والعلاقات التي نشأت حول مؤسساتها. تمنح هذه الشبكات القوى المرتبطة بالتجربة السابقة حضورًا لا يختفي بقرار، لكنها لا تثبت تأييد جميع العاملين أو السكان لقيادتها. كما أن انتقال الرواتب والصلاحيات إلى الدولة قد يغير قدرة تلك الشبكات على التحرك المستقل.
وتحتل كوباني موقعًا خاصًا بحكم جغرافيتها الحدودية وتجربتها في مواجهة داعش وتشابك حياتها العامة مع مؤسسات الإدارة السابقة. لكن مكانتها لا تمنح أي قيادة تفويضًا دائمًا باسم سكانها. ويمكن اختبار أثر التسوية فيها من خلال ترتيبات معلنة تضمن استمرار التعليم بالكردية، وتتيح تقديم الشكاوى وتلقي الخدمات بالكردية لدى أجهزة الشرطة والمؤسسات العامة، مع مشاركة السكان في متابعة أدائها. وهذه معايير مقترحة للتقييم، وليست برنامجًا ندعي اتفاق أهل المدينة عليه.
أما المجلس الوطني، فيملك حضورًا حزبيًا وعلاقات سياسية خارجية، لكن هذه الموارد لا تعادل تلقائيًا قدرة جماهيرية على فرض المطالب. ويحتاج تقدير وزنه إلى النظر في نشاطه المحلي وقدرته على التنظيم والتواصل مع الأهالي، لا الاكتفاء بموقعه في اللقاءات والوفود. ولا تتوافر انتخابات تمثيلية شاملة تتيح حسم الأوزان بينه وبين القوى المرتبطة بالإدارة السابقة أو المستقلين.
وفي عفرين، تتداخل القدرة السياسية مع العودة والملكية والأمن وأوضاع المهجرين. فالمجتمع المشتت لا يستطيع ممارسة الضغط بالشروط نفسها المتاحة لمجتمع مستقر. واستعادة المنزل والحماية من الاعتداء ليستا مسألتين منفصلتين عن التمثيل؛ إنهما من شروط القدرة على المشاركة فيه.
وفي أحياء حلب الكردية، يتوقف هامش التحرك على أوضاع السكان وشبكاتهم المحلية وعلاقتهم بمؤسسات الأمن والخدمات. لذلك لا يجوز افتراض أن نمط التنظيم الممكن هناك يطابق الجزيرة أو كوباني، أو أن قيادة واحدة تستطيع التعبير عن أولويات الجميع بالطريقة نفسها.
المشكلة المشتركة هي تفرق مصادر التأثير: شبكات تنظيمية هنا، وعلاقات خارجية هناك، واعتراضات اجتماعية لا تجد إطارًا مستمرًا. كما أن القوى التي تفاوض على مواقع داخل مؤسسات الدولة قد تواجه تعارضًا بين الحفاظ على تلك المواقع وتصعيد المطالبة بحقوق لم تُحسم.
ويحتاج تجاوز هذا التفرق إلى مطالب مشتركة واضحة، وإلى مشاركة تتجاوز القيادات الحزبية. فالأهالي والمدرسون والمهجرون وأصحاب الحقوق المتضررة يستطيعون منح المطالبة مضمونًا اجتماعيًا، بشرط امتلاكهم مجالًا مستقلًا للتنظيم والتعبير والمساءلة.
الخارج: أدوات تأثير بلا ضمانات مقابلة
ينبغي كذلك تفكيك عبارة «الموقف الدولي». فالولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي لا يملكون الأدوات نفسها، ولا يتحركون بالضرورة وفق الأولويات ذاتها.
امتلكت واشنطن علاقة عسكرية وأمنية مؤثرة مع قسد، وشاركت في مسار التفاوض. لكن دعم شريك في مواجهة داعش لا يساوي التزامًا بحماية صيغة سياسية كردية دائمة. ويصبح السؤال العملي: ما الحق المحدد الذي ستربط الولايات المتحدة علاقتها بدمشق باحترامه، وما الإجراء الذي ستتخذه إذا انتُهك؟
ولفرنسا دور دبلوماسي واتصالات يمكن استخدامها لدعم التفاوض وإبقاء الحقوق على جدول الأعمال. غير أن تسهيل اتفاق لا يجعل الوسيط ضامنًا لكل بند فيه. الضمان يحتاج إلى التزام بالمتابعة وإلى استعداد للتحرك عند الإخلال، لا إلى الترحيب بإعلان الاتفاق فقط.
أما الاتحاد الأوروبي، فتمنحه العلاقات الاقتصادية والمساعدات ومسار التعاون أدوات محتملة للتأثير. وقد قرر في أيار/مايو 2026 استعادة التطبيق الكامل لاتفاق التعاون مع سوريا. لكن وجود هذه الأدوات لا يثبت أنها مشروطة بضمان تعليمي أو إداري كردي محدد.
يمكن أن تتمثل الكلفة الخارجية في مراجعة تعاون حكومي أو تمويل مشروع أو مستوى انخراط دبلوماسي. غير أن إمكان اتخاذ إجراء يختلف عن التعهد به. وفي الوثائق التي تناولتها السلسلة، لا يظهر نظام معلن يحدد ما يترتب على الإخلال بحقوق كردية بعينها. لذلك تبدو كلفة التراجع غير محددة وغير موثوقة، حتى حين يظل الخارج قادرًا على التأثير في ملفات أخرى.
ويمكن جعل هذه العلاقة أكثر قابلية للمساءلة. فالبرلمان الأوروبي يستطيع، مثلًا، المطالبة بتقرير دوري علني من المفوضية والممثل الأعلى عن تنفيذ الالتزامات الثقافية والمدنية في إطار العلاقة مع سوريا. يشمل التقرير المدارس التي يستمر فيها التعليم بالكردية، والمراحل والمواد المشمولة، وطلبات الجنسية المقدمة والمقبولة والمرفوضة وأسباب الرفض، مع حماية البيانات الشخصية.
لا يشكل التقرير ضمانة بذاته، ولا يفترض وجود استعداد أوروبي لاعتماده. لكنه مثال لأداة تحول الالتزام العام إلى معلومات يمكن مساءلة الجهات المعنية على أساسها. وحين تغيب الأرقام الموثقة، يصبح نشرها جزءًا من اختبار الجدية.
حد أدنى يمكن اختباره
لا تبدو الفيدرالية أو اللامركزية السياسية خيارات مطروحة على أساس قبول مشترك. فالسلطة لم تنتقل من الاعتراف الثقافي والمدني إلى الإقرار بالكرد جماعةً قوميةً لها حقوق سياسية محددة. وحتى تقديم الإدارة الذاتية نفسها ضمن سوريا الموحدة لم يحسم النزاع حول مؤسسات تملك قرارًا خارج سيطرة دمشق.
لكن غياب الاتفاق على الحل الأوسع لا يمنع تقديم مطالب انتقالية قابلة للقياس. وهذه المقالة تقترح معايير للحكم على التسوية، لا برنامجًا تنظيميًا أو تفويضًا تفاوضيًا. وقيمة هذه المعايير أنها تختبر استعداد السلطة لتحويل الاعتراف إلى ممارسة، دون افتراض قبولها بها أو اعتبارها بديلًا نهائيًا عن الحقوق القومية.
في العام الدراسي 2026–2027، يبدأ الاختبار بإعلان المدارس والمراحل التي سيستمر فيها التعليم بالكردية، والمواد المشمولة، وتأمين الكتب والمدرسين والتمويل. ويشمل ضمان ألا يؤدي الانتقال الإداري إلى ضياع سنوات الطلاب، ووضع إجراءات واضحة لمعادلة الشهادات واستكمال النقص عند الحاجة.
وبما أن الخيار المعلن لتدريس بعض المواد بالكردية مقيد بعام واحد، ينبغي حسم استمراريته قبل نهايته بوقت كافٍ لإعداد العام التالي. ويمكن المطالبة بنشر الترتيبات اللاحقة في موعد لا يتجاوز نهاية الفصل الأول، بعد نقاش مع ممثلين للأهالي والمدرسين مستقلين عن السلطة والأحزاب. فهذا موعد مقترح للمساءلة، وليس التزامًا قائمًا في القرار الرسمي.
ويمكن اختيار هؤلاء الممثلين في اجتماعات معلنة على مستوى المدارس، وفق إجراءات تتيح الترشح والاعتراض، مع نشر محاضر المشاورات وردود الوزارة عليها. فدعوة شخصيات تختارها الإدارة أو الأحزاب لا تكفي لإثبات مشاركة المجتمع. كما يمكن للممثلين المختارين متابعة التنفيذ ونشر ملاحظاتهم، بالتعاون مع مختصين تربويين وجهات حقوقية مستقلة.
وعلى المستوى المحلي، يمكن المطالبة بترتيب قانوني يتيح للسكان انتخاب مجالس تتولى اختصاصات محددة في الخدمات والموازنة المحلية، وتشارك بصلاحيات مقررة قانونًا في تنظيم التعليم وتنفيذ ضماناته اللغوية. والمقصود اقتراح مؤسسات تمثيلية تخضع لمساءلة السكان، لا وصف مؤسسات قائمة أو الإبقاء على البنية الحزبية للإدارة السابقة. وينبغي ألا تستطيع جهة تنفيذية تعطيل اختصاصاتها أو تغييرها منفردة.
أما استعادة الملكية والعودة، فتحتاجان إلى إجراءات قانونية معلنة وحق في الطعن أمام القضاء؛ فلا تُتركان لتقدير أمني فضفاض أو لمساومة حزبية ومحلية. كما يجب ضمان مشاركة المهجرين في تقرير مستقبل مناطقهم، حتى لا يكرس التمثيل نتائج إقصائهم.
بهذه الصورة يصبح للمتابعة فاعلون ومعلومات ومواعيد: أهالٍ ومدرسون يتابعون التعليم، وأصحاب حقوق وجهات قانونية تتابع الملكية والعودة، ومؤسسات دولية تُطالَب بنشر تقييماتها. ولا يمنح ذلك أي طرف وكالة حصرية، بل يتيح مساءلة أكثر اتصالًا بالحقوق نفسها.
هل تستحق التسوية وصف «الفرصة التاريخية»؟
يمكن للمرسوم 13 أن يصحح بعض مظاهر الظلم، وأن يؤدي في الوقت نفسه وظيفة تساعد على تثبيت تسوية محدودة. لذلك لا يحسم وصفه بالفرصة مجرد صدوره، بل المسار الذي يتبعه.
إذا استمر انتقال المؤسسات والموارد، بينما بقي التعليم والمشاركة والحقوق الدستورية بلا مواعيد وضمانات، تعزز تفسير الاحتواء. وإذا ظهرت التزامات محددة ونُفذت، وأصبح لأصحاب الحقوق دور مستقل في مراقبتها، وجب احتساب ذلك تغيرًا حقيقيًا. فالحكم السياسي الجاد يحتاج إلى معايير تسمح بمراجعته، لا إلى نتيجة مغلقة سلفًا.
وبالمعطيات التي ناقشتها السلسلة، تبدو التسوية أقرب إلى إنهاء صيغة عسكرية وإدارية مع إقرار حقوق جزئية، منها إلى معالجة مكتملة لعلاقة الكرد بالدولة. ويتصل ذلك بتقارب خيارات دمشق وأنقرة، وتفرق أدوات التأثير الكردية، وضعف الالتزامات الدولية المحددة لحماية الحقوق.
لن تنتهي القضية الكردية بانتهاء قسد أو الإدارة الذاتية، مثلما لم تبدأ بقيامهما. وقد تتراجع الأحزاب القائمة أو تظهر أشكال أخرى للتمثيل، لكن المجتمع وحقوقه يبقيان. والاختبار أمام الدولة السورية هو قبول مشاركة هذا المجتمع في تحديد مستقبله؛ أما تسوية أوضاع القوى التي تحدثت باسمه، فلا تكفي وحدها جوابًا عن قضيته.
17 أيلول/سبتمبر 2026
ملاحظة: كُتبت المسودة الأساسية لهذه السلسلة قبل مقتل مقاتل قسد السابق المعروف باسم «سيبان»، وما أعقبه من احتجاجات ومواقف للقوى الكردية، وقبل حريق سجن كوباني الذي وقع وسط التوترات. وتطرح هذه التطورات سؤالًا يتصل بجوهر السلسلة: إلى أي حد يقترن انتقال المؤسسات العسكرية والإدارية إلى سلطة دمشق بحماية السكان وحقوقهم؟ فتقدم إجراءات الاندماج لا يكفي وحده لإثبات نجاح التسوية سياسيًا واجتماعيًا. ويظل الاختبار في كشف المسؤوليات عن الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وحماية الاحتجاج السلمي، وتوفير ضمانات يستطيع السكان الاحتكام إليها.




