مقالات

أوجلان أم أتاتورك: من خدم تركيا أكثر؟

هوشنك أوسي
أكثر الأحزاب التركية دعمًا لأوجلان هو حزب الحركة القومية التركية، الفاشي، حتى أكثر من حزب (DemParti) . زعيما هذا الحزب الأخير لم يقدّما أيّة هدايا لأوجلان، بينما قدّم دولت باخشلي هديةً إلى أوجلان. والأخير لم يرسل أيّة هدية لأردوغان أو تونجر باكرهان أو تولاي حاتم أوغلولاري، لكنه أرسل هدية إلى باخشلي. هل هذه أمور شكلية، ومجرّد تبادل هدايا؟ طبعًا لا.
هل رأيتم قادة PKK/KCK وكيف يتحدثون بوقاحة عن أنهم لا يريدون تقسيم تركيا، ويسعون إلى الحفاظ على وحدة أراضيها، في حين أن تركيا كانت تصف الحزب بالانفصالي والإرهابي؟ قادة حزب العمال الكردستاني يعنون ما يقولون، وهم جادون وصميميون في كلامهم.
هل رأيتم كيف أن قادة الفرع السوري لـPKK، وأعني هنا PYD/QSD، كانوا يقولون بوقاحة، تزايد على وقاحة قادة قنديل: إنهم حموا وحدة سوريا؟ في حين إن واحدًا تافهًا من نمرة “أبو عمشة” أو موسى العمر أو جميل الحسن أو هادي العبدالله، كانوا يقولون عن «قسد»: انفصاليون وإرهابيون.
أي تقسيم لأي بلد في الشرق الأوسط هو توطئة لتقسيم تركيا. وPKK لم يكن فقط «مسمار حجا» التركي في سوريا والعراق وإيران، بل «حصان طروادة». والإنجاز التاريخي والكوني العظيم الذي حققته تركيا هو أنها نجحت في فرض أحد عملائها زعيمًا قوميًّا تحرريًّا يساريًّا على الكرد، اسمه عبدالله أوجلان. ونجحت أنقرة في صناعة وتصدير حزب متطرّف دموي، وفرضه على الكرد على أنه حزب قومي وطني تحرري كردستاني. هذا النجاح الرهيب يُسجَّل للاستخبارات التركية منذ سنة 1973–1978 وصولًا إلى سنة 2026.
فالحزب الذي انخدع به ملايين الكرد على أنه طليعتهم الثورية التحررية، حين أراد الغرب إعادة ترسيم الشرق الأوسط وفق خريطة «سايكس–بيكو» جديدة، وقف حزب أوجلان – الـMIT في وجه المخططات «الإمبريالية–الأمريكية–الصهيونية–الرجعية» بالمرصاد. ومن يشكك في هذا الكلام، فليراجع تصريحات قيادة قنديل، وتصريحات أوجلان وتحذيره من المخطط الأمريكي منذ السنة الأولى لعودته إلى حضن وطنه الأم تركيا وحتى 2022.
مصطفى كمال أتاتورك أنقذ ما تبقّى من السلطنة العثمانية من تقسيم إضافي، ونسف اتفاقية «سيفر»، وأقنع الغرب باتفاقية «لوزان». فلو لم يفعل أتاتورك ذلك، لكانت كردستان موجودة سنة 1923 أو 1925، دولةً جارة لتركيا. راجعوا بنود اتفاقية «سيفر» وستقتنعون بهذا الكلام. يعني لكانت كردستان موجودة قبل وجود سوريا والعراق والكثير من دول العالم. لكن أتاتورك، بخبثه وخداعه للكرد، نجح في تجنيب تركيا تقسيمًا إضافيًا بعد طرد تركيا العثمانية من الحجاز والشام والعراق نهائيًّا سنة 1918.
هل يستحق أتاتورك كل ذلك التقدير أو التقديس، بالرغم من أنه من يهود الدونما؟ نعم، يستحق. لأنه أنقذ بلده من التقسيم. هل أتاتورك هو عدو الشعب الكردي؟ بكل تأكيد، ومن دون نقاش. بخلاف أكاذيب أوجلان عن أتاتورك، على أنه ليس عدوًّا للشعب الكردي.
هل كان بمقدور رجب طيب أردوغان ودولت باخشلي منع تقسيم جديد لتركيا من دون خدمات أوجلان؟ قولًا واحدًا، ومن دون نقاش: طبعًا لا.
لو حظي الكيان الكردي (القسدي) بغطاء دستوري في سوريا المستقبلية، لتعزّز دور ووزن إقليم كردستان العراق أيضًا. ولكي تضرب تركيا كردستان العراق، عليها نسف أي مكسب كردي في سوريا، بخاصة المنطقة الإدارية التي كانت مدعومة أمريكيًّا وأوروبيًّا.
بعد أن نفض أوجلان يده من نسف المكتسبات الكردية في سوريا، اتجه نحو كردستان العراق. أوجلان يقول لأنقرة: دعوا الأمر لي، سأعيد الأتراك إلى الموصل وكركوك، وأضم كردستان إمّا إلى تركيا أو إلى العراق. سيفعلها هذا التركي الأصيل الفذ، طالما بقي يحظى بدعم وحماية ومساندة ملايين المخدوعين والحمقى من الكرد.
لو أحصيتم عدد القتلى الكرد في فترة حكم أتاتورك 1923–1938، وقارنتم الرقم بعدد القتلى من الكرد في فترة نشاط الجماعة الأوجلانية، لرجحت كفة أوجلان، نتيجة عدد الضحايا من قتلى وجرحى ونازحين ومهجّرين. هذه الحصيلة من الخراب والدمار تضاف إلى إنجازاته الأخرى ومنعه تقسيم تركيا عبر نسف إقليم روجافا.
لو لم تذعن قيادة «قسد» لأوامر وتهديدات أوجلان، وقطعت العلاقة مع PKK، لباتت مهمة أوجلان شبه مستحيلة، ولاضطرت تركيا إلى التعامل مع إقليم روجافا للحكم الذاتي أو الفيدرالي، مثلما اضطرت إلى التعامل مع إقليم كردستان العراق. ولغيّرت تركيا من سلوكها، وانفتحت بشكل جدي وحقيقي على كردها، ومنحتهم الكثير من حقوقهم القومية والوطنية. لكن أوجلان وفّر على تركيا كل ذلك. وأعاد كرد سوريا إلى ما قبل 1950، وربما أبعد من ذلك.
في تقديري، خدمات أوجلان لتركيا تتجاوز خدمات مصطفى كمال أتاتورك. هذا الرأي سيسجّله الحمقى من أنصار أوجلان على أنه مدح وإقرار بعظمة بطولة وعبقرية أوجلان. لا، طبعًا، بل هو تأكيد على غباء وحماقة وجهل الأوجلانيين الذين ما يزالون مخدوعين بأوجلان، ويرونه الزعيم العظيم الذي يسعى إلى تحرير كردستان.
على ضوء ما سلف ذكره، بات مفهومًا سبب حب ودعم دولت باخشلي، لعبدالله أوجلان، لأن الأخير خدم تركيا أكثر من باخشلي وزعيم باخشلي، فالأخير يمثّل الدولة العميقة في تركيا، أكثر من أردوغان. والدولة الحقيقية في تركيا، هي العميقة الخفيّة، وليس الدولة الرسمية العلنيّة. إقناع الأوجلانيين بأنه يعبدون رجلاً هو أحد أزلام الدولة العميقة في تركيا، بات من سابق المستحيلات. شيء أشبه بمحاولة إقناع السلفي الجهادي الجاهل بأن القرآن الكريم هو أفضل من صحيح البخاري.

14/9/2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(2 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب