بين اليسار والقومية الكردية… دفاعًا عن الحقيقة لا عن الأيديولوجيا

ريزان شيخموس
الاستاذ الفاضل أكرم محمد ؛ قرأت مقالك باهتمام، ولا أخفي أنني وجدت فيه جهدًا واضحًا في محاولة تفسير أحد أهم الإشكاليات التي رافقت الحركة السياسية الكردية طوال القرن الماضي. وأعتقد أن مثل هذه الكتابات، مهما اختلفنا معها، تستحق أن تُناقش بهدوء لأنها تمس جوهر القضية الكردية ومستقبلها.
لكن ما سأكتبه هنا ليس دفاعًا عن اليسار الكردي، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض، وليس محاولة لتبرئة أي تيار من أخطائه أو إخفاقاته. فاليسار الكردي، شأنه شأن جميع التيارات السياسية، ارتكب أخطاءً كثيرة ويستحق النقد والمراجعة. كما أنني لا أتحدث هنا مطلقًا عن تجربة حزب العمال الكردستاني أو فرعه في سوريا، فهذه تجربة جاءت في سياق تاريخي وسياسي مختلف، ولها خصوصيتها، وإدخالها في هذا النقاش سيصرفه عن موضوعه الأساسي.
ما يدفعني إلى الكتابة هو الدفاع عن الحقيقة التاريخية، لأنني أؤمن أن اختزال قرن كامل من تعثر الحركة الكردية في مسؤولية تيار سياسي واحد، مهما كان حجم أخطائه، لا يخدم الحقيقة، بل يختزلها، ويُعفي بقية الفاعلين من مسؤولياتهم.
لقد اختلفت مع الفكرة الأساسية التي طرحها المقال، وهي أن اليسار الكردي عمل على تزييف الوعي القومي أو إضعافه. فهذا، برأيي، لا ينسجم مع الوقائع التاريخية، على الأقل في التجربة الكردية السورية. فاليسار الكردي لم ينطلق من مشروع معادٍ للهوية القومية، وإنما حاول، سواء أصاب أم أخطأ، أن يمنح القضية الكردية إطارًا فكريًا وسياسيًا أكثر عمقًا، وأن ينقلها من مجرد شعور قومي مشروع إلى محاولة لبناء وعي سياسي يستند إلى مفاهيم الحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الشعوب. ويمكن القول إنه لم ينجح في تحقيق هذا الهدف، لكن فشل التجربة لا يعني أن مشروعها كان قائمًا على محاربة الهوية القومية أو تقويضها.
بل إن أحد أسباب هذا الفشل كان غياب البيئة الفكرية اليسارية داخل المجتمع الكردي نفسه، الذي ظل يتحرك في معظمه ضمن البنى الاجتماعية التقليدية والعشائرية والقومية الكلاسيكية، وهو ما جعل الخطاب اليساري عاجزًا عن التحول إلى ثقافة مجتمعية راسخة.
ومن المهم أيضًا وضع التجربة في إطارها الزمني الحقيقي، لأن أي قراءة تفصل الأفكار عن سياقها التاريخي تصبح قراءة ناقصة. فاليسار الكردي في سوريا لم يكن تيارًا مهيمنًا لعقود طويلة كما قد يفهم من المقال، بل إن حضوره الفعلي بوصفه تيارًا سياسيًا مؤثرًا كان محدودًا نسبيًا، ولم يتجاوز نحو خمسة عشر عامًا. ثم جاءت التحولات العالمية الكبرى مع البيروسترويكا، وسقوط جدار برلين، وانهيار الاتحاد السوفيتي، لتعلن نهاية مرحلة أيديولوجية كاملة. ومنذ عام 1989 بدأت غالبية الأحزاب الكردية، بما فيها تلك التي كانت تُحسب على اليسار، بالتخلي تدريجيًا عن الماركسية اللينينية، والانتقال إلى خطاب الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، بل إن كثيرًا منها لم يعد يحمل من اليسار سوى بعض المصطلحات التاريخية.
وهنا يبرز سؤال أراه أكثر أهمية من البحث عن متهم تاريخي: إذا كان اليسار قد فقد تأثيره الفكري والتنظيمي منذ أكثر من ثلاثة عقود، فمن المسؤول عن تعثر بلورة مشروع قومي متماسك طوال هذه السنوات؟ وإذا كان اليسار هو العائق الحقيقي أمام بناء الوعي القومي، فلماذا لم تتمكن الأحزاب القومية، خلال ما يقارب أربعة عقود، من إنتاج خطاب قومي حديث، أو مشروع وطني جامع، أو مؤسسات فكرية وثقافية قادرة على ترسيخ هذا الوعي؟
هذا السؤال لا يهدف إلى إدانة أحد، وإنما إلى تحميل الجميع مسؤولياتهم.
وإذا أردنا أن نكون أكثر إنصافًا مع التاريخ، فلا بد من التفريق بين الشعور القومي والوعي القومي. فالشعور القومي كان حاضرًا لدى الكرد قبل ظهور الأحزاب جميعها، وبقي حيًا رغم عقود القمع والإنكار وسياسات الصهر. أما الوعي القومي، بوصفه مشروعًا فكريًا وسياسيًا متكاملًا، فهو شيء مختلف تمامًا، لأنه يحتاج إلى إنتاج نظري، ومؤسسات ثقافية، ومراكز أبحاث، ومدارس فكرية، ونخب قادرة على تحويل الانتماء العاطفي إلى مشروع حضاري وسياسي.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالأحزاب القومية، التي امتلكت الحضور الشعبي والزمن السياسي الأطول، لم تستثمر هذه العقود الطويلة في بناء نظرية قومية كردية حديثة، ولم تؤسس مراكز بحث أو مؤسسات فكرية قادرة على تطوير مفهوم الدولة الكردية، أو صياغة رؤية واضحة للعقد الاجتماعي، أو العلاقة بين القومية والديمقراطية، أو الاقتصاد، أو المواطنة، أو شكل الدولة المنشودة. لقد بقي الخطاب القومي، في كثير من الأحيان، أسير الشعارات والتعبئة السياسية أكثر من كونه مشروعًا معرفيًا متكاملًا.
ولهذا، فإن تحميل اليسار مسؤولية ضعف الوعي القومي يريح بقية القوى السياسية من مسؤولياتها التاريخية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فالحركة الكردية لم تعانِ من اليسار وحده، بل عانت أيضًا من الانقسامات الحزبية المزمنة، والصراعات الشخصية، والتنافس على الشرعية والتمثيل، والتدخلات الإقليمية، وضعف المؤسسات الثقافية، وغياب الإنتاج الفكري المنهجي. وكلها عوامل لا يمكن تفسيرها بشماعة أيديولوجية واحدة.
كما أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن اليسار الكردي، رغم أخطائه، قد أنجب عددًا من المثقفين والباحثين والكتاب الذين أسهموا في تطوير النقاش حول الهوية الكردية والحقوق القومية والديمقراطية. قد نختلف مع أطروحاتهم، وقد ننتقد أدواتهم السياسية، لكن ذلك لا يبرر محو مساهماتهم الفكرية أو تصوير التجربة بأكملها وكأنها كانت مشروعًا معاديًا للقضية الكردية.
إن القضية الكردية لم تتراجع بسبب وجود اليسار، كما لم تتراجع بسبب وجود القوميين، وإنما تعثرت لأن مختلف التيارات السياسية أخفقت، بدرجات متفاوتة، في بناء مشروع وطني جامع يستوعب التنوع الفكري داخل المجتمع الكردي، ويحول الانتماء القومي إلى رؤية سياسية ومؤسساتية قادرة على الصمود أمام المتغيرات.
ولهذا، فإن المراجعة المطلوبة اليوم ليست مراجعة لتجربة اليسار وحدها، بل مراجعة شاملة لكل التيارات السياسية، وفي مقدمتها الأحزاب القومية التي امتلكت، خلال العقود الأخيرة، الفرصة الكاملة لقيادة المشروع القومي فكريًا وسياسيًا، لكنها لم تنجح في إنتاج ما يكفي من الأدبيات والمؤسسات والمشاريع التي تؤسس لوعي قومي حديث.
إن الأمم لا تُبنى بإلقاء مسؤولية الإخفاق على الآخرين، وإنما بالنقد الذاتي، وبالاعتراف بالتقصير، وبالقدرة على إنتاج أفكار جديدة تتجاوز أخطاء الماضي.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: من أخطأ قبل خمسين عامًا؟ بل: ماذا أنجزنا نحن خلال العقود الأربعة الأخيرة؟ وما الذي قدمناه للأجيال الكردية الجديدة، فكريًا وثقافيًا وسياسيًا، ليكون أساسًا لمشروع قومي أكثر نضجًا؟
أعتقد أن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال ستكون أكثر فائدة للقضية الكردية من أي سجال أيديولوجي، لأنها ستدفع الجميع إلى مراجعة الذات، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات. فالتاريخ لا يُقرأ بعين الخصومة، وإنما بعين الإنصاف، والإنصاف وحده هو الذي يصنع وعيًا قوميًا قادرًا على التعلم من أخطاء الجميع، لا على تحميلها لطرف واحد

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في مقابلة مطولة مع فضائية – الجزيرة – تناولت العديد من القضايا الهامة المتعلقة بسوريا حاضرا ومستقبلا ، أعلن الرئيس السوري الانتقالي عن مواقف مستجدة شديدة الوضوح ومميزة تجاه الوضع الكردي السوري ، معترفا بوجود قضية كردية سورية ، خارج اطار– قسد – والتنظيمات . حول هوية سوريا قال : ” أن هوية البلاد سورية وان ادخال تعريفات…

عنايت ديكو المثقف لا تصنعه الاجتماعات والمؤتمرات والمظاهر البرّاقة، بل تصنعه المواقف، وتُنجبه المبادئ. المثقف هو ذاك العنقاء الذي يخرج من بين الزحام والآلام، حاملاً مشروعه الوجودي بين يديه. نعم … قد يخطئ المثقف، لأنه بشر، يأكل ويشرب، لكنه لا يخون عمداً، ولا يؤجر مساحات الوعي، ولا يبيع أركان ضميره، ولا ينكر معروفاً. فيبقى وفياً لقضية الانسان، صادقاً في مشاعره،…

شادي حاجي ورقة رؤية استراتيجية لبناء النفوذ الكردي داخل الديمقراطيات الغربية بعد عقود من الهجرة والاستقرار في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، لم يعد السؤال: كم يبلغ عدد الكرد في المهجر؟ بل: لماذا ما يزال تأثيرهم السياسي والفكري أقل بكثير من حجمهم الحقيقي؟ لا تهدف هذه الورقة إلى نقد واقع الجاليات الكردية فحسب، بل إلى طرح رؤية عملية لكيفية تحويل…

سعيد يوسف دار الحرب مصطلح فقهي إسلامي قديم، ارتبط ظهوره تاريخيًا بزمان ومكان محددين، ويقابله مصطلح دار الإسلام. وليس المقصود بالدار هنا المنزل أو دار السكن، بل يراد به : الإقليم أو الدولة والبلدة. تعريف دار الحرب : هي كل بقعة تكون أحكام الشرك فيها ظاهرة. أو كلّ بقعة لا تسود فيها أحكام الإسلام، والسلطة فيها للكفار. وقد وضع…