من يعد أدوات الحروب؟  من يشعلها؟

إبراهيم اليوسف

 

كل ما يدور في هذا العالم غير عادل..غير عادل… ياسيدي!

زوربا- نيكوس كازنتزاكي

 

لايزال عالمنا هذا يعمل- وبأسف- رغم كل التجارب والأحداث والمحن والتحديات، وفق ميزان مختل، إذ لا يعتمد مبدأ العدالة، بل يتم استغلالها بانتقائية واضحة، لأن كل ما يجري- حتى وإن ظهر ما هو صائب كلياً أو جزئياً، ليس نتاج فوضى صرفة، بل هوضمن آلية أو مخطط ترتيبي طويل الأمد، حيث تُحضَّر الحروب قبل اندلاعها بوقت طويل، وتُعد دواعيها وأسبابها خطوة خطوة، حتى وإن ظهرت- لاحقاً- لنظارة المسرح العالمي في إطار أحداث طارئة.

أجل، إن أدوات الحروب تعد حين تُترك قضايا الشعوب بلا حل، وحين تُصنَّف حقوق هذه الشعوب وفق اعتبارات سياسية، وحين يُطلب من شعب بلا وطن أن ينتظر، وأن يصمت، وأن يقبل واقعاً فُرض عليه، ثم يُلام إذا انفجر. هنا لا تبدأ الحرب بالسلاح، بل كنتيجة لقرار مهمش أو مؤجل، بعد أن يفتح الملف الذي أُغلق عمداً، نتيجة غياب وازع العدالة التي أُبعدت عن جدول الأعمال.

كلنا نعرف كيف تُرَخَّص الدكتاتوريات دولياً- في هذا الشرق العظيم- طالما أنها تؤدي دورها في خدمة مصالحها، وطالما تتمكن من ضبط شعوبها، وتحفظ التوازنات المطلوبة، إذ لا يُسأل الحاكم عن مصير شعبه، بل عن قدرته على السيطرة، وهكذا يصبح القمع جزءاً من النظام، لا خللاً فيه، وتتحول الدولة إلى أداة بيد فرد أو أسرة، تُدار الموارد عبرها، ويُدار الزمن السلطوي- المقيت- وفق عمر الحاكم لا وفق مصلحة الرعايا.

ومعروف كيف أن الدكتاتور هو من يقود شعبه إلى الويلات محمياً من أسياده، ولأنه يعلم أن الأسرة الدولية لا تعاقب الطغيان بحد ذاته، بل تعاقب فقط ما يخرج عن السيطرة، وحين تُترك الشعوب وحدها، بلا أدوات تغيير، وبلا أفق، وبلا أمل داخلي، يصبح انتظار التدخل الخارجي نتيجة منطقية، مدفوعاً إليها، لا خيانة، كما يتم الترويج لما يتم، في إطار لجم الشعوب، ومنعها من المطالبة بحرياتها وكراماتها وحقوقها.

لهذا لم يكن مشهد ضرب صورة صدام بالحذاء من قبل مواطن عراقي بسيط، فعلاً عابراً، بل جاء ذلك تعبيراً سريعاً. رمزياً، عن حالة انفجار للفرح بسقوط طاغية، ولم تكن بعض مشاهد الفرح في طهران- اليوم- تحت وقع أول ضربات خارجية، كما تسربت إلى وسائل الإعلام، احتفالاً بالقصف لأنه محض قصف، وإنما كنتاج قهر وإعلان عجز مزمن طال عقوداً، حيث يصل المواطن إلى قناعة قاسية مفادها أن خلاصه لن يأتي من داخله، بسبب المعادلات الدولية المتحكمة، لأن الداخل مُحصن في وجه المواطنين. طلاب الحرية، بكل أدوات العنف والقمع، وهو ما رأيناه خلال انتفاضات كرامة إيرانية عدة.

إن من عادة القوى الكبرى استخدام جبروتها. قوتها. قمعها، لأجل مصالحها، لا لأجل مصالح الشعوب، وهذا أمر جد واضح على ضوء تجاربنا، في هذا الشرق العاجز، ، إذ يتم استهداف الأنظمة الدكتاتورية وفق حسابات أولي أمور الأسرة الدولية، لا وفق معايير العدالة، بينما تُترك الشعوب التي سُلبت حرياتها، أو خرائطها معلقة بين الوعود والخطابات، عرضة للخذلان والخيانات، وأدوات لابتزاز الطغاة، من أجل المزيد من التنازلات والسقوط، وبيع الأوطان، بعد بيع الذات.

فما أن تبتلع دولةٌ ما خريطةَ شعب آخر، ثم تمنعه من حريته، ومن لغته، ومن خصوصيته، ثم تتهمه بالخيانة إذا بحث عن خلاصه، فإنها تكون قد فتحت الباب بنفسها أمام كل اختراق خارجي، إذ إن الخيانة لا تكمن في رفض الاندماج القسري، بل في فرضه، وفي محو الآخر، ثم مطالبته بالولاء.

كل شيء بات جلياً، إزاء ما يجري في المنطقة، لطالما أن هناك دولاً إقليمية تبتلع خريطة كردستان، ثم تتحدث عن السيادة، وتدين التدخل الخارجي، بينما السبب الأصلي قائم، ولم يُمس، حيث إن المشكلة لا تبدأ بالقصف، بل بالمنع، ولا تنتهي بالضربة، بل بتكرار الشروط التي أنتجتها.

وهنا فإن الحديث لا يقتصر على من أطلق النار لأجل مصالحه، بل ينبغي أن يتركز على من جهّز الساحة. على من عطّل الحلول. على من كمم الأفواه طويلاً. على من استخدم القوة الدولية ضد شعبه، لحماية الطغيان، إذ إن الحرب لحظة عابرة وإن ستظل دمغة وجرحاً في ذواكر المبتلين بها، أما الظلم فنتاج بنية أو منظومة قهرية، قمعية، كاملة، وما أن يستمر هذا الظلم، حتى تعود الحروب  و تحدق الأخطار، بأشكال متعددة، فهلا ظهر-مهدي- يحل جذور مشكلة هذا الشرق بدلاً عن تخديره، والعمل على مفاقمة وديمومة مآسيه!

من هنا، تماماً، فإن العالم المتحكم بشؤوننا ومصائرنا ليس عاجزاً عن منع الحروب، بل هو المتورط في إعداد أسبابها، صناعتها، لطالما أن العدالة تُدار بانتقائية مقيتة، وتنفذ بعد استنفاد كل عوامل المواجهة، كي تترك الشعوب الضعيفة وحدها، ثم يمضي جميعهم ليتابع فصول الانفجار، مدعياً الدهشة والاستغراب، أو متلذذاً، كمن يتابع فيلماً سينمائياً، مكرراً، على أنه ليس هو: من ألفه، وأخرجه، ومثله، في انتظار بدء لحظة فضيلة إيقاف هذه الحرب، ووضع الحلول المؤقتة، بعيداً عن الحلول الحقيقية التي لما تتم حتى الآن، ولا يمكن أن توضع بعيداً عن  استقراء وتلبية  مطالب وإرادة الشعوب، وعلى رأس القائمة، في نظري: الكرد وكردستانهم.

إننا على” مفترق طرق”  زلق، جد خطير، فهل تستدرك الأسرة الدولية جرائم” بعض” أسلافها، ومعاصريها، وتنصف أحفاد ضحاياها، كي نقول: لقد انفتحت الستارة عن مسرح جنة الأرض؟!

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…