ما بعد سقوط السرديّات

عدنان بدرالدين

في مقاله المعنون «هل يُملأ الفراغ الذي خلّفته الآيديولوجيّات الراديكاليّة المنهارة؟»، المنشور في صحيفة «الشرق الأوسط» بتاريخ 22 شباط 2026، كتب حازم صاغية عن انهيار الآيديولوجيات التي سيطرت على المشرق طوال عقود، من البعث إلى الإسلاموية السنية والشيعية، ورأى في الحروب الأخيرة وسقوط النظام السوري وتراجع قوى مسلّحة كانت تُقدَّم بوصفها «مقاومة» لحظة أفولٍ لعالم كامل من السرديات. الفكرة في أساسها مقنعة: ما انهار ليس أنظمة فحسب، بل اللغة التي شرعنتها، والوعود التي أقنعت أجيالاً بأن التضحية المفتوحة طريقٌ إلى الخلاص.

غير أن التفكيك يقتضي الفصل بين الخطاب وطريقة الحكم. فقد تتهاوى شعارات الوحدة والتحرير والممانعة والنهضة الإسلامية بعد أن أفضت إلى دول منهكة واقتصادات متآكلة ومجتمعات منقسمة، لكن انهيار الشعار لا يستتبع تلقائياً انهيار البنية التي حملته. فمركزية القرار، وضعف المساءلة، واحتكار المجال العام، وتعريف الشرعية من أعلى، قد تستمر حتى مع تغيّر المرجعية الفكرية. القضية، إذن، ليست في تبدّل اللغة بل في تبدّل قواعد السلطة ذاتها. والنموذج السوري الراهن يقدّم مثالاً دالاً: رُفعت آيديولوجيا جديدة مكان البعث، غير أن ممارسة الحكم تبدو أقرب إلى الاستمرارية منها إلى القطيعة. يمكن التخلّي عن خطاب قومي أو ديني، لكن ما لم تُخضع السلطة للمساءلة الفعلية، فلن يتغيّر الجوهر.

حين يُقال إن المنطقة تعاني «فراغاً» في المعاني، يبدو الأمر وكأن المشكلة في نقص الأفكار. لكن استطلاعات مثل «الباروميتر العربي» في 2024–2025 تشير إلى العكس: الشباب لا يفتقر إلى تصورات عن الحرية والعدالة، بل يفتقر إلى الثقة في أن أي فكرة يمكن أن تُطبَّق من دون أن تفرغها البنية الحاكمة من مضمونها. الفراغ هنا ليس أيديولوجياً، بل فراغ ثقة.

صحيح أن الضمانات العملية – قضاء مستقل، إعلام حر، وآلية واضحة لتغيير الحاكم سلمياً – هي الأولوية لأنها قابلة للاختبار. غير أن هذه الضمانات لا تعيش في فراغ ثقافي، فهي تحتاج إلى معنى جماعي يربط الكرامة بالمساءلة، والهوية بالحرية، لا بالطاعة أو التعبئة الدائمة.

إشارة صاغية إلى نقد مارتن هايدغر للتكنولوجيا في محلها، لأن التقنية ليست مجرد أدوات بل طريقة في النظر إلى العالم. غير أن التكنولوجيا في منطقتنا لم تحلّ محل الأيديولوجيا، بل اندمجت في أنماط الحكم القائمة. خطاب التحديث قد يترافق مع أدوات رقابة أكثر دقة، لا مع توسيع فعلي للمشاركة. المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في استخدامها داخل بنية سياسية مغلقة.

كذلك، حين يُقال إن الوعي الإسرائيلي خرج من الحروب أكثر ثقةً، فإن الرد لا يكون بسردية مضادة، بل ببناء نموذج داخلي مختلف. التفوق هناك ليس عسكرياً فقط، بل مؤسساتي أيضاً. وفي مواجهة ذلك، لا تكفي شعارات جديدة. المطلوب دولة تقدّم ضمانات حقيقية تقنع مواطنيها قبل غيرهم.

يمكن القول إن حازم صاغية التقط لحظة تحوّل حقيقية، وأصاب في تشخيص تعب السرديات القديمة. غير أن الصورة لا تكتمل إذا بقي النقاش محصوراً في مستوى الخطاب. أزمة المنطقة لم تكن فقط أزمة أيديولوجيا، بل أزمة حكم. ومن دون معالجة هذا المستوى، قد نحتفل بسقوط سردية لنكتشف أن المنطق نفسه ما زال يحكم، وإن تغيّرت العناوين.

 

25 شباط / فبراير 2026  

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سمكو عمر لعلي إنّ ما يجري على أرض إيران لا يبدو في ظاهره سوى استعراضٍ للقوة، وعرضٍ للعضلات في مسرحٍ سياسيٍّ متشابك الخيوط، تتقاطع فيه المصالح وتتصادم الإرادات. غير أنّ المتأمّل في عمق المشهد يدرك أنّ الأرض ليست سوى ساحة، وأنّ الشعوب، ولا سيما الشعوب الإيرانية المضطهدة، هي التي تدفع كلفة الصراع، ظاهراً وباطناً. فخلف الأضواء الصاخبة، وحركة التصريحات المتبادلة،…

خوشناف سليمان أولًا. أتمنى وأرجو عودة جميع الأسرى إلى أهلهم سالمين. فانتظار الأمهات لا يحتمل التأجيل و وجع العائلات لا يقاس بلغة السياسة. لكن حين نتحدث عن اتفاقيات تبادل. لا يمكن أن نتجاهل الحقيقة المؤلمة. هناك آلاف المفقودين ومئات العائلات التي لا تعرف حتى الآن إن كان أبناؤها أحياء أم في عداد الشهداء. اليوم. بينما تخرج مظاهرات في القامشلي أمام…

شكري بكر كلنا ندرك بأن الحركة الوطنية الكوردية في سوريا مرت بفترة إنقسامات والتشتت والتشرذم ، وكذلك جميعنا ندرك أسباب تلك الإنقسامات والتي لا داعي التطرق إليها هنا . رغم الظروف الظروف العصيبة التي مرت بها الحركة ، إلى أنها حافظت على الكثير من جوانبها الإيحابية . كل ما في الأمر أنه هو مع ظهور حزب العمال الكوردستاني قد…

نظام مير محمدي *   في توقيت بالغ الحساسية، ومع اقتراب اليوم العالمي للمرأة، لم يكن المؤتمر الدولي الذي عُقد يوم السبت 21 فبراير في المقر المركزي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية شمال باريس مجرد احتفال بروتوكولي، بل كان بمثابة “مانيفستو” سياسي يرسم خارطة طريق لمستقبل إيران. الرسالة التي خرجت من هذا التجمع الحاشد، الذي ضم شخصيات سياسية ونسوية عالمية بارزة،…